هذا نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - يُنَاوَلُ صبياً تقعقع روحه في صدره تريد الخروجَ من جسده الصغير ، فهلت دمعات مباركات من عين النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هَذَا ؟! قَالَ : ( هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ) متفق عليه .
لتعلم يا رعاك الله : أن الرحمة سبيل إلى الجنة أجمل به من سبيل ، كيف لا يكون كذلك وقد أدخل الله رجلاً الجنة بسبب رحمة ملأت جوانحه ، على ماذا ؟ لندع الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - يروي لنا فصول القصة بأوجز عبارة وأدقها ، يقول عليه الصلاة والسلام : ( بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ،فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ ، فَقَال :َ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي ، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ : فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ) متفق عليه .
ويا لتعاسة الفض الغليظ ، الإنسان عنده غير مرحوم ولو ببشاشة يرسمها على محياه ، فكيف بحيوان أبكم أصم ؟! بئست الحال حاله ، لست أنا ولا أنت قد حكمنا على هذا الجنس من الناس بالشقاوة ، بل رسول الرحمة - صلى الله عليه وسلم - قد حكم عليه بذلك فقال : ( لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ ) رواه أحمد والترمذي وإسناده حَسَنٌ .