أما القصة الأخرى : فهي قصة المرأة التي سافر ولدها ، وكانت قد قعدت يومًا تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز ، فجاء سائل فمنعت عن فمها اللقمة وأعطته إياها ، وباتت جائعة ، فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما رأى في سفره ، قال : ومن أعجب ما مرَّ بي : أنه لحقني أسد في الطريق ، وكنت وحدي فهربت منه ، فوثب علي وما شعرت إلا وقد صرت في فمه ، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصني منه ، ويقول : لقمة بلقمة ، ولم أفهم مراده . فسألته أمه عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير ، نزعت اللقمة من فمها لتنفقها في سبيل الله ، فنُزِع ولدُها من فم الأسد )انتهى كلامه رحمه الله .
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
ويا لتعاسة البخل ما ألبس صاحبه إلا ثوب دناءة وذل ، عطبٌ حصاده ، منتنة رائحته ، لا يورّث إلا الهلاك للأفراد والأمم والشعوب ، يقول الصادق المصدوق ‘: ( اتَّقُوا الشُّحَّ ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ) رواه مسلم .
الحديقة الرابعة
حديقة الرحمة
إنها حديقة يفوح شذاها فلاً ووردًا ، وتميس أغصانها طربًا لمقدم أصحاب القلوب الرحيمة ، القلوب التي تربت على الخضوع بين يدي الرحيم ، فلانت لخلقه ، ورأفت بعباده ، طلبًا لرحمة ربهم ورأفته بحالهم .
رحماء ، هكذا أرادنا الخالق - سبحانه وتعالى - ، من معين التعاطف نتزود ، ومن معين التراحم نستقي ، ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ .