ومنها : رواية الحسين بن محمد بن الحنفية أنه قال ((يا أهل الكوفة اتقوا الله عز وجل ولا تقولوا لأبي بكر وعمر ما ليسا بأهل له إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثاني اثنين وإن عمر أعز الله به الدين)). قالوا : يمكن أن يكون مراده بقوله " اتقوا الله " الأمر بالتقية كما فسر قوله تعالى " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " بأن المراد أعملكم بالتقية فسقط الاستدلال وبالجملة ما روي عنه كلام مجمل مبهم لا يصدر مثله إلا في مقام التقية أما لفظ " اتقوا " فلما عرفت. وأما قوله " ولا تقولوا لأبي بكر وعمر ما ليسا بأهل له " فلما مر من أن ما يستأهله الشيخان عند أهل البيت وشيعتهم هو الذم دون المدح، فهذا الخبر لنا لا علينا. ولا ينافي هذا الحمل ما استدل به رضي الله عنه بعد ذلك مما يوهم اعتقاده فيهما اتصافهما بالفضل والكمال لأن هذا مجرد وهم، لا يذهب إليه من له أدنى فهم. وأما ما ذكره رضي الله عنه من صحبة الغار، فلما سنبينه في موضعه اللائق من أنه لا يوجب لأبي بكر إلا العار والشنار. وأما قوله " إن عمر أعز الله به الدين " فلأنه في الحقيقة إشارة إلى فجوره وتذكر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " والملخص أنه قد جرت عادة الأئمة عليهم السلام وأكابر شيعتهم في مقام عروض الخوف والتقية أن يضحكوا على لحية الخصام، بإلقاء مثل هذه الكلمات الجامعة البالغة في درجات الإيهام والإبهام الذي لا يطلع على حقائقها إلا ذوو الأفهام(1).
(1) - الصوارم المهرقة ، 251