و لئن خالفْنا كولسن حين اعتبر بأنّ الفقه التأسيسي قد " استوعب في إطاره بشكل طبيعيّ هذه الاصلاحات التي أتى بها النّبيّ " باعتبار ما أثبتناه من مخالفة أوائل الفقهاء الحجازيين و العراقيين للوحي - تغليبا لبعض الأعراف التي ألغاها - فإنّنا نوافقه في تقدير حدّة عدول المدارس الفقهيّة النّاشئة في الأمصار عن مقاصد النّصّ و عن المقالات الفقهيّة الأمّ رغم أنّها قد انطلقت في نشأتها من مبادئها العامّة.
و يعتبر الفقه المالكي من أبين النماذج المذهبيّة المعبّرة عن هذه الظاهرة بسبب سيادته لزمن طويل على قسم هامّ من مراكز الدّولة الإسلاميّة و أطرافها. و لقد ثبتت مخالفة أصحاب مالك و أتباعه المنتشرين في الأمصار لطائفة من مقالاته الفقهيّة فقد " كان منهم من تأثر بأكثر من رأي مثل أسد وأشهب و ابن القاسم فخالفوا إمامهم في مسائل و بمرور الزمن و باختلاف البيئات لم يعد فقه مالك إلاّ في الموطّإ و في الكتب القريبة العهد به .. ثمّ طُبع هذا الفقه بطابع البلد و الجماعة التي نشأ فيها " (1).
و لئن حرص سحنون و ابن القاسم، في الغالب، على الوفاء لمقالات إمامهما بحكم معاصرتهما له فقد بيّنّا اطراد مخالفات القرطبي لسلفه جميعا. و يعود ذلك، فوق ما ذكرنا من أسباب، إلى إدراك المفسّر بفضل تأخره الزّمني لدور الأعراف الخاصّة بالمجتمعات الإسلاميّة في توجيه التعامل مع النّصّ ومع الأحكام الفقهيّة التأسيسيّة، و تصوّره لأهمّيّتها في حفظ المصالح و إن خالفت الأصول، فسعى إلى معالجة هذه المسألة بتنويع الأحكام الفقهيّة و عرض كلّ إمكانات التأويل حتى تتمكّن، ربّما، كلّ جماعة أن تخيّر منها ما يناسبها.
4 - 1 - 3 / تأثير علاقة الفقيه مع السّلطان في توجيه التعامل مع النّصّ
نقلنا في مقدّمة البحث أنّ مالكا كان أحد المفتين " عند السلطان " (2). و معلوم أنّ الدّين و السّياسة ظاهرتان متنافرتان رغم امتزاجهما الحتمي خاصّة في الحضارة الإسلاميّة المحكّمة للنّصّ المقدّس في كلّ مجالات العمران. و يعود التنافر بينهما أساسا إلى تعارض موقفهما من الأخلاق باعتبار أنّ الدّين شديد الحرص على ترسيخ القيم المطلقة، فما بُعث محمّد إلاّ ليُتمّم " حُسْنَ الأخلاق " (3)، بينما يميل السّاسة إلى الإعراض عنها كلّما اقتضت المصلحة الخاصّة أو العامّة.
و هذا يعني أنّ فقهاء الحكّام - من أمثال مالك - قد يضطرّون إلى مخالفة مقاصد النّصّ بإطلاق بعض الفتاوى استجابة إلى طلبات السّلطان عند وقوع الحاجة. و رغم تواتر الأخبار باعتداء بعض عمّال المنصور العبّاسي على مالك حين رفض الإفتاء في إحدى مسائل الطّلاق بما يوافق هواهم (4) فقد ثبت تقارب الخليفة و الفقيه بعد تلك الحادثة. و يبدو أنّ هذا التقارب قد تمّ بتواطؤ الطّرفين على تحييد مالك عن السّياسة و عن أحوال السّلطان و أهل بلاطه مقابل ترك رياسة الفقه له. و يؤكّد هذا الزّعمَ تغاضيه عن الفساد السّياسي و الاجتماعي الذي فشا في العصر العبّاسي الذي زامنه في النّصف الثاني من حياته (5)، و من أهمّه الزّنا الذي آلت إليه مجالس المجون الدّارجة في المجتمع العبّاسي المترف و المنفتح على حضارات عصره. و لقد اكتفى إمام دار الهجرة من هذه الصّفقة بالتشريع لعامّة المسلمين و حملهم على الأحكام الفقهيّة مع الإعراض عن شؤون السّلطان. و في الحقيقة فإنّ مالكا قد كان واقعيّا في القبول بهذه الصّفقة باعتبار أنّها تحقق له غرضين رآهما أساسيين:
أوّلهما شخصيّ و هو اتقاء سخط السّلطان و تحقيق حياة رفيعة مالا و جاهًا، فقد ثبت أنّ مالكا كان - فضلا عن مكانته - " يلبس الثياب العدنية الجياد " (6) و أنّه " ترك من النّاضّ ألفيْ دينار و ستّ مائة دينار " (7). و معلوم أنّ هذه الجِدَةَ و هذا الرّخاءَ لم يكونا متاحين مثلا لأحمد بن حنبل أو للشافعي
(1) - مقال للدّكتور أحمد باكير بعنوان " الفقه المالكي و خصائصه "، وضعه بمناسبة " ملتقى الإمام محمّد بن عرفة " بمدنين، منشورات الحياة الثقافيّة - تونس، سنة 1977، ص 212.
(2) - ابن خلّيكان: " وفيات الأعيان " (ترجمة مالك).
(3) - مالك بن أنس: " الموطّأ "، " كتاب ما جاء في حسن الخلق "، الحديث رقم: 2633، ص 413.
(4) - انظر الخبر مثلا في ترجمة ابن خلّيكان لمالك: " وفيات الأعيان ".
(5) - وُلد مالك كما هو معلوم سنة 93 و توفي سنة 79 للهجرة، و أسقط العبّاسيون الخلافة الأمويّة سنة 132 للهجرة.
(6) - ابن خلّيكان: " وفيات الأعيان ".
(7) - هو خبر نقله محقّق " مدوّنة سحنون " ج 1 ص 18.