أنّ الوطء لا يقع إلاّ بمشاركة الرّجل فيه، و رغم أنّ الرّجال يطلبون الزّنا - في الواقع أكثر - من النّساء. كما آل إلى تسخير الرّقيق و سلبهم كلّ إرادتهم حتى صارت الإماء أداة متعة و لهو لا يُلتفت أبدا إلى إنسانيّتها و ما تقتضيه من حقوق أساسيّة و ضروريّة ضمنها لها الوحي.
و تكشف هذه المواقف عن حقيقة مبدإ المصلحة المرسلة الذي أرساه المالكيّة باعتبار أنّهم قد اقتصروا في الغالب على مصالح السّادة من الرّجال و حمّلوا أعباءها للنّساء و الرّقيق. و لقد أتاحت لهم هذه العمليّة الاحتفاظ بالنظام الطّبقي و العنصري للمجتمع العربي القديم رغم قيام منهج الوحي على تعديله حتى يوافق القيم المطلقة التي يدعو إليها.
و الحقيقة أنّ ظاهرة تأثيرالواقع في توجيه التعامل مع النّصّ ليست خاصّة بالفقه الإسلامي فقد بيّنّا في الفصل الأوّل دلالة شئتطوّر الأحكام المسيحيّة و اليهوديّة على تفاعلها مع الواقع و استجابتها لاقتضاءاته. و قد يعني ذلك بأنّ هذه الظاهرة عامّة في المجتمعات المتديّنة الخاضعة لأحكام المؤسّسة الدّينيّة التي تميل في معظم الأحيان إلى مصالحها الخاصّة و تسعى إلى تبرير جورها بما تزعمه من أحكام مقدّسة تكون في الغالب مناقضة لمقاصد شرائع الأنبياء.
4 - 1 - 2 / تأثير تعدّد الأمصار الإسلاميّة و اختلاف نظمها العرفيّة في توجيه تعامل الفقهاء مع النّصّ
لئن ثبت عدول المالكيّة عن بعض مقاصد النّصّ و أحكامه الأساسيّة تحقيقا للمصلحة التي قدّروا كُمُونها في العرف العربي فقد أدّى انتشار الإسلام و سيطرته على أجزاء هامّة من العالم القديم و إلزامه للشعوب المعتنقة له بالأحكام الفقهيّة الناشئة في الفضاء العربيّ و المصطبغة بخصائصه إلى اصطدام الفقهاء بالبنى العرفيّة الخاصّة بتلك المجتمعات، و هي أعراف مختلفة في مجملها عن العرف العربي الذي حاوره القرآن و حكّمه الفقهاء الأوائل في التشريع الإسلامي.
و لقد أثبت كثير من الباحثين في الفقه الإسلامي أنّ الخصوصيات العرفيّة للأمصار الإسلاميّة المفتوحة قد أثرت في مناهج المدارس الفقهيّة النّاشئة فيها و أحكامها إذ " ما من حاجة إلى التأكيد على أنه لا وجود لمجتمع إسلاميّ بل هناك بُنى اجتماعيّة مُتعدّدة تنسب جميعها إلى الإسلام. و من غير أن نغالي فنقول أنّ لكلّ واحد نوعا للتكيّف مع الإسلام " (1). و لقد حرص فقهاء كلّ مصر على ملاءمة أحكامهم للمصلحة القطريّة الخاصّة بصرف النّظر عن توافقها مع مذاهب أئمّة الفقه الذين يتولّونهم، أو مع مقاصد النّصّ. قالت بوجينا ستشيجفسكا: " أمّا بعد عصر الخلفاء فقد قال الإمام أحمد و غيره: يتعذر الإجماع بعد عصر الخلفاء لتفرّق الأمّة إلى فرق كثيرة .. فكان الخلاف إذا وقع استحكم و لا يزول لأنّه مبنيّ على سياسة قطر .. أو على مذهب من مذاهب الفرق .. فكلّ فريق يتعصّب لنظريّته فلا تجتمع الكلمة و لا يزول الخلاف لأنّه ليس المقصود بيان حكم الله في المسألة التي وقع فيها الاختلاف. و لكن هي السّياسة، يريدون تطبيق الفقه و الدّين عليها لا تطبيقها على الفقه و الدّين " (2). و يبدو أنّ هذه المدارس الفقهيّة المنتشرة في الأمصار الإسلاميّة قد أثِرت عن المذاهب التأسيسيّة أدوات تطويع النّصّ للأحكام العرفيّة، فاكتسبت منها وسائل الخلاف و الاستقلال الفقهي ثمّ خالفتها و استقلّت عنها بها.
كما تعرّض كولسن لهذه الظاهرة من خلال بحثه في " قانون الأسرة " (3) عند المسلمين فاعتبر أنّه " كان مطبّقا في عمومه لدى الشعوب الإسلاميّة العربيّة وفق القواعد الفقهيّة الدّقيقة. فهذا النظام القائم على أعراف تلك البلاد التي نشأ فيها الفقه كالحجاز و العراق، و الذي استوعب في إطاره بشكل طبيعيّ هذه الاصلاحات التي أتى بها النّبيّ (ص) كان من شأنه أن يتوافق مع المزاج الخاصّ للمجتمع العربي و أن يلقى تأييده و نصرته. أمّا بالنّسبة للشعوب الأخرى غير العربيّة فقد أثار أخذها بأحكام الفقه مشكلات حادّة، نظرا لغرابة مفاهيمه الأساسيّة عن البناء التقليدي لمجتمعات هذه الشعوب في أكثر الأحوال" (4).
(1) - عبد الوهّاب بو حديبة: " الجنسانيّة في الإسلام ". ص 130.
(2) - بوجينا ستشيجفسكا: " تاريخ التشريع الإسلامي "، ص 70.
(3) - كولسن: " في تاريخ التشريع الإسلامي ". ص 177.
(4) - نفسه: ص ص 177 – 178.