تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من محاسن أسرتنا استقلالنا في المعيشة وفي البيت، فلا حماة ولا أقارب إلا أن يزوروا لماما.

وكان بيتنا محكوما بالسلطة الأبوية، فالأب وحده مالك زمام أموره، لا تخرج الأم إلا بإذنه، ولا يغيب الأولاد عن البيت بعد الغروب خوفا من ضربه، ومالية الأسرة كلها في يده يصرف منها كل يوم ما يشاء كما يشاء، وهو الذي يتحكم حتى فيما نأكل وما لا نأكل، يشعر شعورا قويا بواجبه نحو تعليم أولاده، فهو يعلمهم بنفسه ويشرف على تعليمهم في مدارسهم، سواء في ذلك أبناؤه وبناته، ويتعب في ذلك نفسه تعبا لا حد له، حتى لقد يكون مريضا فلا يأبه بمرضه، ويتكئ على نفسه ليلقي علينا درسه. أما إيناسنا وإدخال السرور والبهجة علينا وحديثه اللطيف معنا فلا يلتفت إليه. ولا يرى أنه واجب عليه. يرحمنا ولكنه يخفي رحمته ويظهر قسوته؛ وتتجلى هذه الرحمة في المرض يصيب أحدنا، وفي الغيبة إذا عرضت لأحد منا، يعيش في شبه عزلة في دوره العالي، يأكل وحده ويتعبد وحده، وقلما يلقانا إلا ليقرئنا. أما أحاديثنا وفكاهتنا ولعبنا فمع أمنا.

وقد كان لنا جدة - هي أم أمنا - طيبة القلب شديدة التدين؛ يضيء وجهها نورا، تزورنا من حين لآخر، وتبيت عندنا فنفرح بلقائها وحسن حديثها، وكانت تعرف من القصص الشعبية - الريفية منها والحضرية - الشيء الكثير الذي لا يفرغ، فنتحلق حولها ونسمع حكاياتها ولا نزال كذلك حتى يغلبنا النوم، وهي قصص مفرحة أحيانا مرعبة أحيانا، منها ما يدور حول سلطة القدر وغلبة الحظ، ومنها ما يدور حول مكر النساء ودهائهن، ومنها حول العفاريت وشيطنتها، والملوك والعظماء وذلهم أمام القدر «إلخ»، وتتخلل هذه القصص الأمثال الشعبية اللطيفة والجمل التي يتركز فيها مغزى القصة. وأحيانا كان أخي الكبير يقرأ لنا في ألف ليلة وليلة، فإذا أتى إلى جمل ماجنة متهتكة تلعثم فيها وخجل واضطرب وحاول أن يتخطاها، وأحيانا يزل لسانه فيقرؤها فيضحك بعض من حضر، وتخجل أمي وجدتي فيهرب أخي من هذا الموقف المربك، وتقف القراءة.

ولكن كان بيتنا - على الجملة - جدا لا هزل فيه، متحفظا ليس فيه ضحك كثير ولا مرح كثير، وذلك من جد أبي وعزلته وشدته.

ولم تكن المدنية قد غزت البيوت، ولاسيما بيوت الطبقة الوسطى أمثالنا، فلا ماء يجري في البيوت وإنما سقاء يحمل القربة على ظهره ويقذف ماءها في زير البيت تملأ منه القلل وتغسل منه المواعين وكلما فرغت قربة أحضر قربة. والسقاء دائم المناداة على الماء في الحارة، وحسابه لكل بيت عسير، إذ هو يأخذ ثمن مائه كل أسبوع، فتارة يتبع طريقة أن يخط خطا على الباب كلما أحضر قربة. ولكن بعض الشياطين يغالطون فيمسحون خطا أو خطين، ولذلك لجأ السقاء إلى طريقه «الخرز» فيعطي البيت عشرين خرزة، وكلما أحضر قربة أخذ خرزة، فإذا نفذت كلها حاسب أهل البيت عليها.

وأخيرا - وأنا فتى - رأيت الحارة تحفر والأنابيب تمد والمواسير والحنفيات تركب في البيوت وإذا الماء في متناولنا وتحت أمرنا، وإذا صوت السقاء يختفي من الحارة ويريحنا الله من الخطوط تخط أو الخرز يوزع.

وطبيعي في مثل هذه الحال ألا يكون في البيت كهرباء فكنا نستضيء بالمصابيح تضاء بالبترول، ولم أستضئ بالكهرباء حتى فارقت حينا إلى حي آخر أقرب إلى الأرستقراطية.

وطعامنا يطهى على الخشب ثم تقدمنا فطهونا على رجيع الفحم (فحم الكوك) ثم تقدمنا أخيرا فطهونا على (وابور بريمس)..

وكل أعمال البيت تقوم بها أمي، فلا خادم ولا خادمة ولكن يعينها على ذلك أبناؤها فيما يقضون من الخارج، وكبرى بناتها في الداخل.

وكان أبي مدرسا في الأزهر ومدرسا في مسجد الإمام الشافعي وإمام مسجد ويتقاضى من كل ذلك نحو اثني عشر جنيها ذهبا، فلم نكن نعرف جنيهات الورق، وأذكر - وأنا في المدرسة الابتدائية - أن ظهرت عملة الورق فخافها الناس ولم يؤمنوا بها وتندرت الجرائد الهزلية عليها. وكانت لا تقع في يد الناس - وبخاصة الشيوخ - حتى يسرعوا إلى الصيارف فيغيروها ذهبا. وكانت الاثنا عشر جنيها تكفينا وتزيد عن حاجتنا ويستطيع أبي أن يدخر منها للطوارئ، إذ كانت قدرتها الشرائية تساوي الأربعين جنيها والخمسين اليوم. فعشر بيضات بقرش. ورطل اللحم بثلاثة قروش أو أربعة، ورطل السمن كذلك وهكذا، ومن ناحية أخرى كانت مطالب الحياة محدودة ومعيشتنا بسيطة؛ فأبي من بيته إلى عمله إلى مسجده ثم إلى بيته، لا يدخن ولا يجلس على مقهى. وملابسنا جميعا نظيفة بسيطة، ومأكلنا معتدل ليس بضروري فيه تعدد أصنافه، ولا أكل اللحم كل يوم، ولم نر فيمن حولنا عيشة خيرا من معيشتنا نشقى بالطموح إلى أن نعيش مثلها، ولا سينما ولا تمثيل، ولكن من حين لآخر تنصب خيمة على باب حارتنا يلعب فيها «قره جوز» أدخل إليها بنصف قرش ويكون ذلك مرة في السنة أو مرتين.

حياتي · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٦