تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتقدم أبي في الدراسة فيبحث عن عمل يكسب منه بجانب دراسته فيكون مصححا بالمطبعة الأميرية ببولاق أحيانا، ومدرسا في مدرسة حكومية

2

أحيانا. وكانت الدراسة في الأزهر صعبة مملة طويلة لا يجتازها إلا من منح صبرا طويلا، واحتمل عبئا ثقيلا، يطلب هذه الدراسة كثيرون ولا يتمها إلا القليلون فيكونون كالماء يبتدئ نهرا كبيرا، ويمر أخيرا في قناة. ويقضي الطالب في ذلك نحو عشرين سنة أو أكثر، ثم قد ينجح أو لا ينجح. وهكذا نجح أبي في دراسته بصبره وقوة احتماله، واستطاع أن يحمل عبئه ويرد الجميل لأخيه.

وأما أسرة أمي فأصلها على ما روي لي من «تلا» من أعمال المنوفية، ولا أدري أهجرتها كما هجرتها أسرة أبي فرارا من الظلم أو لشيء آخر، وكل ما أعلمه أن أخوالي سكنوا في حي في وسط القاهرة قريب من باب الخلق، وكانوا يشتغلون في تجارة (العطارة)، وكانوا ناجحين في تجارتهم، وكانوا مع - مهنتهم التجارية - يحفظون القرآن، ويحسنون قراءته، ويلتزمون شعائر الدين. وكان أحد أخوالي سمحا كريما، كثير الإحسان للفقراء، وقد منح بسطة في الرزق، وسعة في النفس. وأما خالي الآخر، فكان كزا شحيحا مضيقا عليه في رزقه. ولست أدري: أكانت سماحة الأول سببا في سعة رزقه، أم سعة رزقه سببا في سماحته؟ كما أني لست أدري أكانت كزازة الثاني سببا في ضيق رزقه، أم كان ضيق رزقه سببا في كزازته.

| الفصل الثالث

كانت أول مدرسة تعلمت فيها أهم دروسي في الحياة بيتي، وقد بنى أبي - بعد أن تحسنت حاله - بيتا مستقلا في الحارة التي يسكنها هو وأخوه منذ هجرتهما. يتكون من دورين غير الأرضي، ففي الدور الأرضي منظرة للضيوف وكل دور به ثلاث غرف وتوابعها.

وطابع البيت كان البساطة والنظافة. فأثاث أكثر الحجر حصير فرشت عليه سجادة، وإذا كانت حجرة نوم رأيت في ركن من أركانها حشية ولحافا ومخدة، تطوى في الصباح وتبسط في المساء. فلم نكن نستخدم الأسرة، وأدوات المطبخ في غاية السذاجة. وهكذا، ولو أردنا أن ننتقل لكفتنا عربة كبيرة لنقل الأثاث؛ أما أكثر ما في البيت وأثمنه وما يشغل أكبر حيز فيه فالكتب - المنظرة مملوءة دواليب صففت فيها الكتب، وحجرة أبي مملوءة بالكتب وحجرة في الدور الأول ملئت كذلك بالكتب.

وكان أبي مولعا بالكتب في مختلف العلوم، في الفقه.. والتفسير والحديث واللغة والتاريخ والأدب والنحو والصرف والبلاغة، وإذا كان الكتاب مطبوعا طبعتين: طبعة أميرية وطبعة أهلية لم يرتح حتى يقتنيه طبعة أميرية، وقد مكنه عمله مصححا في المطبعة الأميرية أن يقتني كثيرا مما طبع فيها وكانت هذه المكتبة أكبر متعة لي حين استطعت الاستفادة منها، وقد احتفظت بخيرها نواة لمكتبتي التي أعتز بها وأمضي الساعات فيها كل يوم إلى الآن.

في حجرة في هذا البيت ولدت. وكانت ولادتي في الساعة الخامسة صباحا من أول أكتوبر سنة 1886، وكأن هذا التاريخ كان إرهاصا بأني سأكون مدرسا فأول أكتوبر عادة بدء افتتاح الدراسة. وشاء الله أن أكون كذلك. فكنت مدرسا في مدرسة ابتدائية، ثم في مدرسة ثانوية ثم في عالية، وكنت مدرسا لبنين وبنات، ومشايخ وأفندية. وكنت رابع ولد ولد، ولم يكن أبي يحب كثرة الأولاد شعورا منه بالمسئولية، ولما لقي من الحزن العميق في وفاة أختي أبشع وفاة.

فقد كان لي أخت في الثانية عشرة من عمرها شاء أبي ألا تستمر في البيت من غير عمل فأرسلها إلى معلمة تتعلم عندها الخياطة والتفصيل والتطريز، وقامت يوما تعد القهوة لضيوف المعلمة فهبت النار فيها واشتعل شعرها وجسمها وحاولت أن تطفئ نفسها أول الأمر فلم تنجح فصرخت، ولكن لم يدركوها إلا وهي شعلة نار، ثم فارقت الحياة بعد ساعات، وكان ذلك وأنا حمل في بطن أمي، فتغذيت دما حزينا ورضعت بعد ولادتي لبنا حزينا، واستقبلت عند ولادتي استقبالا حزينا، فهل كان لذلك أثر فيما غلب علي من الحزن في حياتي فلا أفرح كما يفرح الناس، ولا أبتهج بالحياة كما يبتهجون؟ علم ذلك عند الله والراسخين في العلم.

حياتي · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٥