وانتهت بذلك مرحلة طويلة، هي زهرة العمر تقريبا: خمسة عشر عاما من سني الشباب بين طالب ومدرس، نلت فيها أكثر ثقافتي، وجربت فيها أكثر تجاربي في الحياة، وتعلمت ما استطعت من العلم ومن الناس، ولقيت فيها أكبر الشخصيات التي أثرت في نفسي، وطبعت فيها بطابع لازمني طول حياتي؛ دخلتها مغمض العينين ليس عندي إلا قليل من التجار، وخرجت منها شيئا آخر، لذلك بكيت عليها كما أبكي على فقد أب أو أم أو أخ شقيق؛ ومما آلمني أنني تركت التدريس وهو ما أحبه إلى القضاء وهو ما لا أحبه، وظللت أعزي نفسي بالاتصال بعاطف بك وبعض الأساتذة الذين أحبهم اتصال صداقة؛ كما ظللت أساهم في السياسة وأشارك بعض من صاروا من زعماء السياسيين،
2
ولكن لم أندفع اندفاعهم، ولم أظهر في السياسة ظهورهم، لأسباب أهمها أني - على ما يظهر - لم أتشجع شجاعتهم، فكنت أخاف السجن وأخاف العقوبة. ولعل من أهم أسباب خوفي إشفاقي على والدي وقد أصبحت ابنهما الوحيد؛ إذا سمعا بحبسي أو عقابي هد ذلك من كيانهما الذي أشرف على السقوط. وقد علمني أبي الإفراط في التفكير في العواقب ومن فكر في العواقب لم يتشجع. والسبب الثاني أن مزاجي علمي لا سياسي، ولهذا كنت أختلف عن زملائي السياسيين بأنهم كانوا يؤمنون بسعد باشا كل الإيمان، ويعتقدون صحة كل ما ذهب إليه وارتآه، ويئولون ما يصدر عنه من خطأ ويلتمسون الحجج لتبريره، ولم أكن على هذا المذهب، بل كنت أؤيد سعدا وأنقده، وأؤيد عدلي وأنقده؛ وليس هذا هو المزاج السياسي الذي يؤمن بكل ما يصدر عن الحزب ويتحمس له، وإنما هو المزاج العلمي الذي يزن الشيء مجردا ثم يحكي له أو عليه في أناة.
لهذا لم أظهر في السياسة ظهور غيري، ولم أكتو بنيرانها، وأنعم بجنانها كما فعل غيري.
ظللت في القضاء أربع سنين، سنة في قويسنا، وسنة في طوخ، وسنتين في محكمة الأزبكية، ومع ذلك فلم أستمرئ القضاء ولم أسعد به؛ كل ما أراه أسر قد خربت، أما الأسر السعيدة فلا أراها. زوجة تطلب نفقة من زوجها، وزوج يطلب الطاعة من زوجته، ونحو ثمانين في المائة من القضايا من هذا القبيل فيحكم بالنفقة على الزوج، فإن لم يدفع فيحكم بالحبس، ويحكم بالطاعة على الزوجة، وظللت أحكم بالطاعة وأنا لا أستسيغها ولا أتصورها، كيف تؤخذ المرأة من بيتها بالبوليس وتوضع في بيت الزوج بالبوليس كذلك؟ وكيف تكون هذه حياة زوجية؟ إني أفهم قوة البوليس في تنفيذ الأمور المادية، كرد قطعة أرض إلى صاحبها، ووضع محكوم عليه في السجن، وتنفيذ حكم بالإعدام ونحو ذلك من الأمور المالية والجنائية. أما تنفيذ المعيشة الزوجية بالبوليس فلم أفهمه مطلقا إلا إذا فهمت حبا بإكراه، أو مودة بالسيف. ولهذا كنت أصدر هذه الأحكام بالتقاليد لا بالضمير، وبما في الكتب والقوانين واللوائح، لا بالقلب. وكنت أشعر شعور من يمضغ حصى أو يتجرع الدواء المر. وباقي القضايا على هذا المنوال أيضا: امرأة يدعيها زوجان زوج بورقة عرفية وزوج بورقة رسمية، ودعوى زوجة طلاقا ينكره الزوج، ونحو ذلك من أمور لا تختلف عن الأكثرية كثيرا. فإن استفدت شيئا من عملي في هذا المنصب فدراسة اجتماعية عملية للأسر المصرية. وقد ظهرت على عهدي هذا ظاهرة جديدة لم تكن معروفة كثيرا قبل هذا العهد، وهي تقاضي الأسر المتوسطة والأسر العالية أمام المحاكم وقد كان هذا فيما مضى يعد عارا كبيرا، ولا يلجأ إلى المحاكم إلا الأسر الفقيرة وأمثالها.
ومما أفادني أني كثيرا ما كنت أنحي المحامين عن الكلام وتزويقهم للأمور وادعاء بعضهم ما ليس بصحيح، وأطلب حضور المتخاصمين شخصيا في جلسة سرية، وأستمع إلى كل منهما في تؤدة وتقص لمعرفة الأسباب الأساسية التي أدت إلى هذا النزاع مما لا يذكره المحامون عادة. فكنت أعرف سر الخصومة، وذلك شيء ليس في الأوراق، ثم أعالج هذا السر بما أراه ناجحا - وأكثر ما يكون بالصلح بين المتخاصمين - إما بالفرقة إذا لم يكن أمل في نجاح الأسرة، وإما بالنصح بما يحسم الخلاف، كأن يسكن الزوجان بعيدين عن أهل الزوج أو أهل الزوجة أو نحو ذلك.