ولما اشتعلت نيران الثورة كنت من المتصلين بعبد الرحمن فهمي سكرتير الوفد، وكان يضم إليه جماعة من الشبان يوزع عليهم الأعمال، فاختارني للإشراف على عملين: الأول إلقاء الخطب السياسية في المساجد عقب صلاة الجمعة، فكنت أجتمع مع بعض الزملاء وأنظم معهم إلقاء هذه الخطب وأوزعهم على المساجد وأعين معهم موضوع ما يقولون. والأمر الثاني كتابة المنشورات نذكر فيها أهم الأحداث، ومن أهم ما أذكره من هذه المنشورات منشور كتبته على أثر مظاهرات السيدات؛ ففي يوم 16 مارس سنة 1919، اجتمع لفيف من الآنسات والسيدات الراقيات وألفن مظاهرة سارت في شوارع العاصمة، وأخذن ينادين بالحرية والاستقلال وبسقوط الحماية والظلم، ويلوحن بأعلام صغيرة، فلما سرن طويلا ووصلن إلى ميدان من ميادين العاصمة ضرب الإنجليز عليهن نطاقا وصوبوا إليهن البنادق، فلم يرهبهن هذا التهديد، وقالت إحداهن: أطلق بندقيتك في صدري لتجعلوا مني مس كافل أخرى، ثم انصرفن بعد أن وقفن في الشمس نحو ساعتين، فكتبت في ذلك منشورا مطولا في وصف هذه المظاهرة وأثرها والتهيج بها، وطبع ووزع.
وقد كانت في مكتب عبد الرحمن بك فهمي مذكرة بأسماء الذين يشتغلون معه في هذه الأعمال فلما قبض عليه وختم مكتبه بالشمع الأحمر كسر بعضهم الباب وأخذ الأوراق التي يظن أنها توقع الأذى ببعض الأشخاص ومنها هذه المذكرة، ولولا ذلك لسجنت كما سجن غيري من زملائي.
وكنت شديد الصلة بسكرتير سعد باشا زغلول (كامل بك سليم)، فلما أطلق سراح سعد وذهب (كامل بك) مع الوفد إلى باريس كان علي أن أصف الحالة في مصر من حين لآخر، وأرسل بذلك تقريرات إلى سكرتير سعد ليطلعه عليها، وكانت هذه سببا في معرفة سعد باشا بي، فكثر اتصالي به، بل كان يرسل إلي الشفرة الجديدة إذا غيرت لأوصلها إلى بعض الأعضاء في مصر، إذ كنت شيخا مدرسا في مدرسة القضاء لا يظن أحد أن أمرا خطيرا كهذا يأتي إلي.
ولما انقسم الوفد واتهم عدلي باشا وصحبه ببعض الاتهامات كنت في صف سعد باشا ومن مؤيديه والداعين له، ومع ذلك لم يضع استقلالي في التفكير، فأذكر مرة أن كان سعد باشا في حجرته في منزله، وتناول عدلي باشا بالتجريح قبل أن يهاجمه علنا، فسألته الأدلة على هذا التجريح، فأتى بأدلة لم تقنعني، فرددت عليه فغضب مني وقال لي: «إنك اليوم سيئ المنطق».
على كل حال انغمست في السياسة واشتركت في المظاهرات وبخاصة في المظاهرات التي ترمي إلى التقريب بين الأقباط والمسلمين، وكنت أتلمس المظاهرة، فأركب عربة وأنا بعمامتي أصطحب فيها قسيسا بملابسه الكهنوتية ونحمل علما فيه الصليب والهلال ونحو ذلك من أعمال.
واشتدت الحركة الوطنية في مدرسة القضاء وأفلت زمامها من يد عاطف بك بعد أن كان لا يسمح بمظاهرة ما ولا إضراب، إلى أن جاء يوم انعقد فيه مجلس الإدارة في المدرسة وكانت الوزارة وزارة نسيم باشا الأولى، وهي ليست على وفاق مع سعد، وكان وزير المعارف محمد توفيق رفعت باشا عضوا فيه، فاجتمع بعض الطلبة في جزء من فناء المدرسة تحت شباك الحجرة التي ينعقد فيها المجلس وهتفوا بحياة سعد وسقوط وزارة نسيم، فاتهم رفعت باشا عاطف بك بأنه دبر هذه المؤامرة مع أنه بريء من ذلك فيما أعتقد، ولم يأت المساء حتى أعلن قرار مجلس الوزراء بإحالة عاطف بك على المعاش.
أثر هذا الحادث في نفسي أثرا كبيرا وحزنت له حزنا عميقا، فقد لازمت عاطف بك نحو خمسة عشر عاما في مدرسة القضاء، تلميذا ومدرسا، وأنا أستفيد من روحه ومن خلقه، فلما خرج منها أحسست أن بناء المدرسة قد هدم على رأسي.
وعين للمدرسة ناظر جديد
1
لا أعرفه ولا يعرفني ووجد المدرسين في المدرسة يقابلونه مقابلة حسنة ويسيرون معه كما كانوا يسيرون مع عاطف بك فإن حزنوا لخروج عاطف فحزن في نفوسهم من غير أن يكون له مظهر خارجي أما أنا فلسذاجتي لم أستطع أن أكتم عواطفي، فلم أستقبله عند حضوره ولم أسلم عليه إلا إذ قابلته عرضا، وكانت تأتيه الأخبار أني أذهب كل يوم عصرا إلى عاطف بك في منزله، فكرهني أشد كره، وأعلن ذلك في جمع من الأساتذة، وقال إنه يجب أن يتعاون مع كل المدرسين إلا إياي، وساءت حالتي في المدرسة. وحدث أن قرر مجلس الإدارة يوما تعيين متخرج من مدرسة القضاء مدرسا بالمدرسة بشرط ألا يدرس الفقه، فرأيت القرار نابيا، وأنه يمس مدرسة القضاء في صميمها، فتحدثت بذلك مع المدرسين والطلبة وترتب على ذلك أن هاج الطلبة لما أن سمعوا كلامي، وبلغ ذلك الناظر الجديد فركب عربة وذهب إلى رئيس الوزراء عدلي باشا يكن وأبان أنه لا يستطيع العمل معي، فأصدر أمره بنقلي إلى القضاء. فعينت قاضيا في محكمة قويسنا الشرعية، وكان هذا آخر العهد بتدريسي في المدرسة.