تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان أخي الكبير في نحو الخامسة والثلاثين من عمره وكان رجلا صالحا طيب القلب مشرق الوجه في نضرة وحمرة، ولكنه كان محدود الذكاء، لم يضطرب أبي في تعليمه اضطرابه في تعليمي، ولم يتردد بين مدرسة وأزهر كما تردد في، فقد حفظ القرآن والمتون، والتحق بالأزهر واستمر فيه وفي دراسته الطويلة نحو عشرين عاما، يتنقل بين كتب الأزهر ومشايخه، حتى إذا أتم الدراسة خاف من الامتحان النهائي، فهو يقدم ثم يحجم ثم يقدم ويحجم، لا يجذبه الطموح ولا يدفعه إلى المغامرة حب المجد، قد تزوج وخلف ابنا وبنتا، وهو وأهله يقيمون معنا في البيت، وحياته بين بيته ومسجده وأزهره؛ فلما جاء رمضان هذا كان برنامجه أن يصوم النهار ويصلي صلاة التراويح في المسجد ويعود إلى منظرة البيت يقرأ فيها القرآن وحده أحيانا ومع صديق له مكفوف البصر أحيانا حتى السحور، ثم يتسحر وينام إلى قريب من الظهر، وهذا دأبه.

ففي ليلة من أواخر رمضان صلى أخي العشاء والتراويح كما كان يصلي، وعاد إلى البيت يقرأ القرآن كما كان يقرأ، وتناول سحوره، كما كان يتناول ثم نام ونمنا، وبعد قليل سمعنا صرخة قمنا لها مذعورين، وذهبنا إلى مصدر الصوت، فإذا هي زوجته تصرخ، وإذا هو ممدود على الأرض لا يعي، وتناديه فلا يسمع وتستجوبه فلا يجيب، وليس فيه إلا نفس يتردد، فحملناه إلى سريره وقضينا آخر الليل في رعب لا يوصف، وبكاء لا ينقطع، وحزن ذكر بحزن، فلما أصبح الصباح ذهبت إلى أكبر طبيب إفرنجي مشهور وسألته أن يذهب معي مبكرا، ورأى لوعتي فقبل رجائي، وحضر معي إلى البيت وكشف على المريض فلما تبعته أخبرني أنه انفجار في المخ نشأ عنه شلل في النصف الأيسر ووصف له الدواء فأحضرته، وقمت على علاجه أعنى بشأنه، وأناوله الدواء في موعده حتى أخذ يتحسن في بطء، وتحرك لسانه في ثقل، وحرك يده ورجله في تخاذل، ومشى مشية الصبي بدأ يتعلم، وخرج من البيت يجر رجله وحالته في تحسن مستمر والطبيب يعوده من حين إلى حين، ولكن ما لبث نحو شهرين حتى انتكس، وأصيب ثانية أشد مما أصيب أولا، واستحضرت له الطبيب نفسه فقلب كفيه يخبرني ألا أمل. وكانت النهاية، وكان الحزن شديدا وكانت المصيبة قاسية، وكانت النصال تتكسر على النصال، ولم يجد أبي وأمي من سلوى إلا أن يحجا ويقفا بعرفة ويزورا المدينة ويضعا أيديهما على ضريح النبي صلى الله عليه وسلم يسألان الرحمة للفقيدين والصبر للأبوين.

| الفصل السادس عشر

لم يعبأ ناظر مدرسة القضاء بالترتيب فعينني مع الثلاثة الأول - وإن كنت السادس - مدرسا في المدرسة بعد شهرين من تخرجي، وابتدع في المدرسة نظاما لم يكن معروفا في مصر؛ وهو نظام المعيدين، فأتبع كل معيد بأستاذ كبير يحضر معه الموضوع ويدخل معه في الدروس، ووزع المعيدين على الأساتذة بحسب كفايتهم وميولهم، فهذا معيد مع أستاذ الفقه وهذا معيد مع أستاذ الأدب، واختارني معيدا معه في دروس الأخلاق، وهذا كان سببا في شدة اتصالي به واستفادتي منه، فكنت أذهب إلى بيته في كثير من الأيام عند تحضير درس، وكان يحضره من كتب الأخلاق الإنجليزية، فكان يقرأ بالإنجليزية ويمليني بالعربية، وأحيانا ينفرد هو بالترجمة ويسمعني ما ترجم، وكنا نتناقش في الدروس قبل إلقائها، وأحيانا يجرنا الحديث من موضوع الدرس إلى موضوع آخر اجتماعي أو ديني أو سياسي، فيعرض آراءه ويستمع إلى موضوع آخر اجتماعي أو ديني أو سياسي، فيعرض آراءه ويستمع إلى مجادلتي، وقد أثر في أثرا كبيرا من ناحية تحكيم العقل في الدين، فقد كنت إلى هذا العهد أحكم العواطف لا العقل، ولا أسمح لنفسي بالجدل العقلي في مثل هذه الموضوعات، فالدين فوق العقل، فإن جاء فيه ما لا يدركه العقل آمنا به، لأن علم الله فوق علمنا، وهو أعلم بما يصلحنا وما يضرنا، وهو يأبى إلا تحكيم العقل والبحث عما لا نفهم حتى نفهم، وكان له غرام بالبحث، وصبر على الجدل، وطول نفس في المناقشة حتى ليفضل من يناقشه أن يسكت أخيرا وإن لم يقتنع، من طول ما أدركه من التعب والعناء، كان من أثر هذا الجدل الديني أني أعملت عقلي في تفاصيل الدين وجزئياته، أما جوهر الدين من إيمان بالله وجلاله وعظيم قدرته فظل ساكنا في أعماق قلبي لم ينل منه أي جدل ولم يتأثر بأي قراءة، وكل ما في الأمر أني صرت أكثر تسامحا مع المخالفين، وأوسع صدرا للمعارضين.

حياتي · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٣٥