هذا مغفل نتضاحك من غفلته، وهذا بخيل نتنادر على بخله، وهذا سريع الغضب يهيج لأقل سبب، فإذا هاج أتى بحركات بهلوانية واندفع في السب والشتم، فكنا نثير غضبه ثم نضحك مما يصدر عنه. وهذا إذا مشي فكأنه الديك الرومي في انتفاشه، وهذا إذا ضحك تقطعت ضحكته وطالت فكأنما هي نهيق، ومن كل ذلك لهو طريف وضحك عميق، فكأن الطبيعة عوضتنا عن هذا الجد العابس والدرس القاسي والعناء الرتيب بهذه الفكاهات الحلوة والمرة تنفس عن نفوسنا، وتفرج من ضيقنا.
وراعني يوما وأنا في مدرسة القضاء حادث لم يكن في الدراسة ولكن بجوارها أثر في أثر في أثرا بالغا فذكرته: ذلك أنه كان بجوار المدرسة بيت ثري كبير، له المزارع الواسعة والأملاك الكثيرة من مختلف الأنواع، وكان يعيش عيشة فخمة أنيقة، وفيه طيبة تحمله على الإنفاق على بعض الأعمال الخيرية، وفيه سذاجة تمكن شياطين المال من استغلاله وإغوائه.
وكان من عظمته وأبهته وفخفخته أنه لما مدت شركة الترام خطا أمام بيته (هو خط الجماميز رقم 17) أبى عليها ذلك مدعيا أن الشارع في ملكه وتحت حكمه، فكانت عربته تنتظر أولاده صباحا على الشريط أمام الباب، فتمنع الترام أن يسير، وتقف القطارات صفا طويلا حتى ينزل أولاد الباشا ويذهبوا بالعربة إلى مدارسهم. وكتب إذ ذاك الشيخ علي يوسف في جريدة المؤيد مقالا طريفا في هذا الموضوع، والباشا وشركة الترام في نزاع طويل في المحاكم أيهما المحق.
والباشا يسرف ويسرف، ويبعثر الأموال يمينا وشمالا. ولا تكفيه غلة أملاكه الواسعة؛ فيمد يده يقترض من شياطين المال، وأخيرا تستغرق أملاكه الديون، وأمر وأنا في طريقي إلى المدرسة فأرى حركة في السراي كبيرة، وأسمع الأجراس تدق إعلانا ببيع أثاث السراي بالمزاد بعد أن خرج أهلها منها.
ولا أنسى يوما أخرج من مدرسة القضاء، فأرى الباشا الكبير يقف أمام محطة الترام ينتظر مجيئه لركوبه بعد أن كانت عربات الترام الكثيرة تنتظر عربة أبنائه حتى تتحرك بهم إلى مدارسهم.
| الفصل الخامس عشر
هذا أنا ومدرستي. أما أنا وبيتي فقد كان بيتي هادئا مطمئنا سعيدا سعادة سلبية، وأعني بالسعادة السلبية السعادة الخالية من الآلام. أما السعادة الإيجابية من فرح ومرح وضحك ونحو ذلك فقد كان بيتنا خاليا منها تقريبا، لإفراط أبي في جده وحبه للعزلة وعكوفه على القراءة أكثر وقته.
وكان بيتنا يتألف من أبوي وأنا وأخ وأخت يكبرانني وأخ وأخت يصغرانني.
كان أخي الأصغر شابا مرحا ذكيا مملوءا بالحياة. كثيرا ما يثور على تقاليد البيت التي وضعها أبي، فهو يتأخر عن موعد العودة، وهو يذاكر ويلعب ويجد ويهزل. وكان ذلك يغيظ أبي فيكثر بينهما الجدال والخصام ويزداد ذلك فيصل إلى حد الضرب - علمه أبي كما علمني، والتحق بمدرسة تابعة للأوقاف تجمع في تعليمها بين العلوم الدينية والمدنية. ثم تخرج منها والتحق بمدرسة القضاء في القسم الأول، إذ كانت مدرسة القضاء تنقسم إلى قسمين: قسم أول ومدته خمس سنوات، وقسم عال ومدته أربع سنوات، وهذا الأخير هو الذي التحقت أنا به، وكان أخي في السادسة عشرة من عمره، وقضى السنة الأولى في المدرسة بنجاح، وتفوق في الرياضة فنال جائزتها. وجاء الصيف وجاءت الإجازة، ودعاني صديقي من شبين الكوم أن أقضي عنده أياما ففعلت، ورجعت فوجدت البيت واجما، ووجدت أخي هذا قد بسط له فراش في وسط الغرفة وهو لا يكاد يعي من ارتفاع حرارته، ومن حين لآخر يتألم ويتأوه، وكل من في البيت خائف مرتعب - ذهبت من فوري إلى الطبيب واستدعيته فحضر وفحصه فحصا طويلا ثم هز رأسه، ونزلت معه أستفسر عن الحال، فقال إنها الحمى التيفودية والحالة خطيرة، ولا تمكن العناية به في مثل هذه الحالة إلا إذا نقل إلى مستشفى الحميات، ووصف الدواء وطريقة العلاج وانصرف، ورجعت إلى أمي وأبي في خوف وقلق أشير عليهما بنقله إلى المستشفى فرفضا، فالمستشفى كلمة مرعبة مقرون اسمها في ذهنهما وفي ذهن الشعب كله بالموت، وهم لا يسمونه بالمستشفى كما نسميه، ولكن يسمونه «الأشلاء»، وحاولت طويلا أن أفهمهما المستشفى ومزاياه وشدة عنايته بالمرضى واشتد منا القلق وانقبضت نفسي انقباضا شديدا حتى لأحسست أن روحي تكاد تخرج من بين جنبي، وأخرج من البيت ولا أدري أين أذهب، وأعود ولا أدري لم عدت، لم يغن الطبيب ولم يغن الدواء واشتد الحال سوءا، وأخيرا وبعد كرب شديد لفظ نفسه الأخير. وقامت قيامة البيت، وامتلأ عويلا وصراخا؛ فأما أمي فتلطم وجهها حتى تسقط مغشيا عليها، وأما أبي فيحترق قلبه في الباطن ويتجلد في الظاهر، وتعد العدة لدفنه وتسير جنازته إلى الإمام حيث أعد أبي مدفنه، ويرفض أن يقيم مأتما وأن يقابل أحدا، فأقيم المأتم وأقابل الناس وينقلب بيتنا محزنة. وكل خميس تجتمع النساء للعويل والصراخ وتدعى (المعددة) تغني غناء حزينا بكلام يثير الشجون، ويقطع القلوب، فلما فرغت (خمساننا) التزمت أمي أن تذهب كل خميس إلى بيت مأتم، تعرف أهله ولا تعرفهم، فكل المآتم سواء، وكل الحزانى أصدقاء، وتنفرد بنفسها (فتعدد) المعددة، وكل شيء يلهمها البكاء - حجرته التي ينام فيها، ومكتبه الذي كان يذاكر عليه، وكتبه التي كان يذاكر فيها، وأصدقاؤه الذين كان يلقاهم وكل شيء يذكرها به؛ موعد الأكل وموعد الخروج إلى المدرسة، وموعد العودة منها، فأما أبي فقد صبر على حزن دفين، حتى أبى إلا أن يغسله بيده ويدفنه بيده، وكانت سلواه أن يكثر من تلاوة القرآن ويهب ما يقرؤه إلى روحه، وسمع بكتاب للسيوطي اسمه «فضل الجلد عند فقد الولد» فنسخه بيده، يتصبر بقراءته وكتابته، وأما أنا فقد وضع هذا الحادث على عيني منظارا أسود، فلا أرى في الدنيا إلا السواد، ولا أحب أن أسمع من الأصوات إلا صوت البكاء، فالشجرة الناضرة إلى ذبول، والحياة المبتهجة إلى فناء، والحمامة إذا غنت فإنما تبكي، والسعيد إنما يسعد ليشقى. وانقلبت في عيني قيم الأشياء، فهذا الذي يكسب المال لم يكسبه؟ وهذا الذي يعمل لم يعمل؟ والناس مجانين إذا تخاصموا، ومجانين إذا لهوا أو ضحكوا، فالدنيا لا تزن جناح بعوضة، وخير للناس أن يقضوا حياتهم من غير اكتراث حتى يدركهم الموت؛ واستولى هذا الحزن علي أسابيع بل أشهرا حتى سميت في مدرستي «بمالك الحزين» فإذا نسيت الحزن بعض الوقت في مدرستي ذكرته في بيتي من منظر أمي، ولا تسل عن موقف دقيق وقفته وحرت في التصرف فيه. فقد أتى موعد صرف مكافأة المسابقات في المدرسة، وكان أخي هذا الذي مات يستحق مكافأة الرياضة، وهي لا تصرف إلا بإمضاء مستحقها فإذا لم يكن فإمضاء أبيه، وأنا وأثق أني إذا أخبرت أبي فإنما أشعل في قلبه نارا جديدة، وأعيد عليه يوم مأتمه من جديد، ففضلت أن أترك المكافأة وألا أخبر بها أبي، ومضت سنة وبضعة أشهر والحزن يتحول من نار مشتعلة إلى نار هادئة قد علاها بعض الرماد، وجاء رمضان وأنا في السنة الثالثة في مدرسة القضاء فنغر الجرح الذي لما يندمل، واشتعلت النار التي لم تنطفئ.