معجم أصول الفقه، ص: 110
وما حرم عليهم من خبائث، كل هذه الأوصاف الحسنة أو القبيحة: كانت ثابتة للأفعال قبل ورود حكم الشرع فيها، مما يدل على أن للأفعال حسنا وقبحا ذاتيين.
والعقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر بالضرورة: كحسن العدل والصدق، وقبح الظلم والكذب، ولكن حكم اللّه لا يعرف إلا عن طريق الرسول، فما لم يأت رسول يبلغ الناس حكم اللّه، فلا يثبت في أفعال الناس حكم بالإيجاب أو التحريم بدليل قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الأسراء: 15] فلا عذاب قبل بعثة الرسول أو بلوغ الدعوة، وحيث لا عذاب فلا تكليف، وحيث لا تكليف فلا حكم للّه في أفعال العباد على وجه طلب الفعل أو التخيير بينهما.
وما أحسن كلمة الإمام الشوكانى، إذ يقول:" وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهته .. ، وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقا للثواب، وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مسلم، وغاية ما تدركه العقول: أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب".
ثمرة الخلاف:
ويترتب على الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح ما يأتى:-
أولا: من لم تبلغه دعوة الإسلام أو دعوة الرسل على وجه العموم، فعند المعتزلة:
يؤاخذ بفعله، ويحاسب على أعماله، لأن المطلوب منه: فعل ما أدرك العقل حسنه، وترك ما أدرك العقل قبحه، وهذا هو حكم اللّه.