إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة . فالواقع يحدث في الزمان الممتد من الماضي إلى المستقبل،
فيومئذ وقعت الواقعة .
والمعنى الثالث:
وقوع الوعد، ثوابا أو عقابا. وفي هذه الحالة تكون الواقعة خافضة رافعة، خافضة للأشرار ورافعة للأخيار،
ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة . والأخيار مطمئنون للوقوع في المستقبل لأنهم ينالون الجزاء. والأشرار يفاجئون بوقوعه في المستقبل ونيلهم العقاب. ويشفق الظالمون بما كسبوا وهو واقع بهم،
ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم . والوعي صادق. والصدق يعني الوقوع،
إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع .
والمعنى الرابع:
الوعد واقع،
إنما توعدون لواقع . والعذاب واقع،
إن عذاب ربك لواقع . ومهما سأل السائل عن وقوعه فإنه واقع خارج السؤال والجواب أي موضوعي خارج الذات،
سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع . والكذب ضد الصدق. ولما كان الصدق هو الوقوع فالكذب ضد الوقوع،
إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة . والواقع مرئي، ولكنها رؤية صادقة،
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها .
والمعنى الخامس:
الواقع أيضا هو الطبيعة والكون والعالم،
فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم . والجبل واقع لا يمكن إنكاره،
وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم . والسماء مرفوعة والأرض منخفضة. فلا السماء تقع على الأرض، ولا الأرض ترتفع إلى السماء،
ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه .
والفعل «وقع» مشابه صوتيا للفعل «فقع» أي وقوع الفعل مباشرة دون تأخير. فالملائكة تفقع ساجدين لآدم بعد نفخ الروح فيه،
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . وقد ذكرت الآية مرتين. فالوقوع ليس فقط للحدث بل أيضا للفعل الضروري. فالعجب إذن أن يكون الفكر الإسلامي خياليا أسطوريا ميتافيزيقيا يدور حول ما لا واقع له ولا نفع فيه. (7) التمني
وفي مقابل الواقع، التمني. الواقع دث والتمني هوى. الواقع صدق والتمني كذب. الواقع حقيقة والتمني بطلان. وقد عرفت الشخصية العربية بأنها تتمنى أكثر مما تحقق، وأنها تتحدث عما ينبغي أن يكون أكثر مما تحقق ما هو كائن. أمنياتها دليل على عجزها وضعفها وتحقيق ما تريد عن طريق الرغبات وليس الأفعال.
وقد ورد لفظ «التمني» في القرآن الكريم سبع عشرة مرة. فهو لفظ مهم وموضوع أساسي. وورد في صيغة فعلية أكثر منه في صيغة اسمية أي إن التمني فعل للشعور وليس واقعا، ذاتي وليس موضوعا. وورد اللفظ بخمسة معان:
الأول:
وهو الأكثر استعمالا أن التمني من فعل الشيطان وإلقائه وأنه يمني الإنسان بما لا يقع ولا يحدث بالهمس في أذنه من أجل إضلاله وضلاله،
ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام . والأماني وعود مغرورة،
يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . ولا يفرق الشيطان بين النبي وغير النبي. إذ يلقي في روع كليهما الأماني والغرور،
وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته . فالشيطان رمز الأماني الواهية والرغبات والأهواء التي لا تقع، والأوهام والأساطير التي لا أساس لها.
والمعنى الثاني:
أن التمني نفسه غير الواقع، وأنه جانب ذاتي في الإنسان يعبر عن رغبة مستحيلة التحقيق في مقابل الواقع الحاضر أو المستقبل،
أم للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة والأولى . يتمنى الإنسان أن يكون له الأولى والآخرة حتى يفعل ما يشاء ويكون صاحب الأمر في كل شيء في الحياة وبعد الممات.
والمعنى الثالث:
أن الإنسان لا يتمنى الموت لأنه يريد أن يعيش أبد الدهر، ولا يريد حسابا أو عقابا بعد الممات،
ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين . وأحيانا يتمنى الموت إن كان على يقين بأن الدار الآخرة له وأن مصيره الجنة ثوابا له على أعماله أو لأنه من أحباء الله وأصفيائه،