فذكر بالقرآن من يخاف وعيد . يستمع إليه الجن فيؤمن،
استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا . هو قرآن للاتباع بعد الاستماع،
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه .
وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون . (7)
والقرآن يهدي الناس إلى الصراط المستقيم،
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . يبدأ بالإنذار،
وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به . ومن يهتدي فإنما يهتدي لنفسه،
وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه . ولو نزل هذا القرآن على جبل لتصدع من خشية الله،
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله . فيه شفاء ورحمة للناس،
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين . وتسير به الجبال،
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال .
وهو مشتق من أول لفظ نزل «اقرأ». الله معلمه،
علم القرآن . تلك هي المعاني للقرآن في هذا الشهر الكريم الذي نزل فيه. لا يتحول إلى وثن ورقي بالقطيفة والذهب يعلق في الأعناق أو يوضع داخل المركبات أو يتهادى بين الرؤساء، ويقبل ويحنط كالمومياء. (6) الواقع
انقسم الفلاسفة إلى تيارين كبيرين: الواقعيون والمثاليون كما انقسمت الفلسفة إلى مذهبين كبيرين: الواقعية والمثالية. الأول يثبت وجود العالم بصرف النظر عن وجود الذات العارفة وإدراكها له. والثاني يثبت وجود الذات المدركة للعالم، وينكر وجود العالم خارج رؤية الذات له. وارتبطت المثالية بالدين لأن الله وخلق العالم وخلود النفس، وهي العقائد الثلاث الكبرى في كل دين، موجودة سواء آمن بها الإنسان أم لا. كما ارتبطت الواقعية بالعالم وبالحياة الدنيا ضد التصورات والأفكار المسبقة التي قد تصل إلى حد الأوهام والخيالات والتعويضات النفسية. وقامت محاولات للتوسط بين المذهبين في المثالية الجديدة أو الواقعية الجديدة ولكنها ظلت أقرب إلى المذهبين الرئيسين المتقابلين.
وقد ورد لفظ «الواقع» في القرآن الكريم وليس لفظ «المثال»، اثنتين وعشرين مرة. فهو لفظ رئيسي. ورد اسما وفعلا مناصفة أي إن الواقع موجود مستقلا عن الذات، وهو أيضا من فعل الذات جمعا بين الواقعيين والمثاليين. وقد ورد بخمسة معان رئيسية:
الأول:
وقوع الحدث، وهو في الغالب في الصيغة الفعلية. فالحق يقع على الباطل ويدمغه فإذا هو زاهق،
فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون . ومن يهاجر ويستشهد فإن أجره يقع على الله طبقا لقانون الاستحقاق،
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله . والأكثر استعمالا هو وقوع ما لا يتوقعه الإنسان نتيجة لأعماله السيئة مثل الرجس والغضب وما يقع من الله على الإنسان،
قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب . وقد وقع الرجز على من لا يؤمن بوقوعه،
ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك . ويقع الإثم على من يستحقه وقد كان يستعجله لأنه كان لا يؤمن به،
أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون . ويقع القول ويتحقق في الواقع. فالقول هو المثال الذي يتحقق في الواقع كما يقول الفلاسفة،
وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم . ويقع القول ويتحقق الناس بما كانوا ينكرون،
ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون . ويريد الشيطان أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناس ولكن ما يريده لا يتحقق بوعي الناس بالحق،
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر . فالشر واقع أيضا مثل الخير. والأمر مرهون بإرادة الإنسان.
والمعنى الثاني:
أن الواقع في الدنيا واقع أيضا في الآخرة. فالآخرة واقعة لا يمكن إنكارها حتى ولو كانت متوقعة. فالواقع ليس فقط هو الذي وقع في الماضي أو الحاضر، وهو أمر طبيعي بل ما قد يقع أيضا في المستقبل بناء على امتداد الواقع عبر الزمان،