تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما من خفت موازينه. فأمه هاوية . ومن حبطت أعماله ليس له وزن يوم القيامة أي ليست له قيمة،

فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا .

فالميزان صورة العدل كما هو موضوع ومحفور على أبواب المحاكم، وهو أيضا صورة العدل في الآخرة منذ قدماء المصريين ووزن أعمال الميت، أعمال الروح. فالميزان في حياة الإنسان، في الدنيا والآخرة، وفي الطبيعة والكون. لا فرق بين الذات والموضوع، بين الدنيا والآخرة. فالميزان واحد وعام وشائع مهما اختلف الزمان والموضوع.

الفصل السابع

| الحرية

(1) الدين والشرعية المزيفة

في هذا العصر الذي تتزايد فيه مظاهر الحياة الدينية، ويصبح الدين هو الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والقانون يجدر التمييز بين الشرعية الفعلية والشرعية المزيفة باسم الدين. الشرعية الفعلية بطبيعة الحال هو الصدق مع النفس والفعل الحر، والتمييز العقلي بين الحسن والقبح، واتباع الفطرة «استفت قلبك وإن أفتوك». الشرعية الفعلية هي صفاء النية أو ما يسميه القدماء «لوجه الله» دون رعاية لمصلحة شخصية أو مغنم دنيوي. وصدق النية شرط صحة الفعل؛ لذلك خصص القدماء جزءا كبيرا من علم أصول الفقه للتحايل. كيف يكون الفعل شرعيا في الظاهر لا شرعيا في الباطن، وهو ما يسمى في الأخلاق النفاق والرياء، وما يعرف في علم النفس باسم ازدواجية الشخصية.

قد تأتي شرعية السلوك الإنساني من المبادئ الأخلاقية مثل الواجب، وهو ما تستطيعه النخبة وأولاد البلد. وهي أخلاق الشهامة والبطولة و«الجدعنة» بالتعبير الشعبي، وقد تأتي الشرعية من العادات والتقاليد وهو سلوك غالبية الناس

إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . هي شرعية الواقع والتداول والألفة. لا تغير شيئا في سلوك الناس إلا بقدر ما تتغير هذه العادات نفسها بفعل الزمن وتغير العصور، وقد تأتي الشرعية من القانون وهي شرعية صورية نظرا لعدم إيمان أحد به لأنه مفروض من النظام السياسي يعبر عن مصالح الدولة أو الطبقة الحاكمة وليس عن مصالح الأفراد، يسهل التحايل عليه بتفسيره طبقا للمصلحة الشخصية أو بالالتفاف حوله أو بالرشوة. وإذا ما طبقت فبدافع الخوف من العقاب والغرامة وليس عن اقتناع داخلي لغياب الولاء للدولة ومعاداة النظام السياسي. وقد تأتي الشرعية من المصالح العامة وإرادة الأغلبية مثل التأميم، والإصلاح الزراعي، والقطاع الخاص، ومجانية التعليم، والسد العالي. وهي شرعية مشروطة بمدى استمرار النظام السياسي والاختيارات السياسية.

إنما الأخطر أن تأتي الشرعية باسم الدين في الظاهر وبدافع المصلحة الشخصية في الباطن. وتكثر في المجتمعات الدينية والنظم الدينية والثقافة الدينية. والأمثلة على ذلك كثيرة في كيفية ممارسة شعائر الإسلام وأركانه الخمسة؛ إذ تتمتم الشفتان بالشهادتين أمام الجنازة دون معرفة أسباب الموت، وفي لحظات العجب والاستغراب والغضب والانفعال الشديد. ويصحب التمتمة رفع إصبع السبابة إلى أعلى إعلانا عن الوحدانية. والشهادة تحتاج إلى فعلين: نفي وإثبات، رفض وقبول. الأول «لا إله»، والثاني «إلا الله». فالشهادة فعل وليست قولا، معارضة قبل الموافقة.

وتتم الصلاة أمام الناس بالإعلان عنه بالقول والفعل، بالسؤال عن وقتها، واتجاه القبلة، والانشغال عن أداء العمل اليومي في أماكن العمل. لذلك فضل الصوفية الصلاة بالقلب وليس بالجوارح، والحج إلى رب البيت وليس إلى البيت. ويخصص الطابق الأرضي كمصلى في عمارة من عشرات الأدوار وبيع شققها بالملايين مع الغش في مواد البناء ورشوة مهندسي الحي وللإعفاء من العوائد والضريبة العقارية. وتكثر موائد الرحمن من الأغنياء تبريرا لثروتهم بإطعام الفقراء ونيل الحظوة الاجتماعية واطمئنان الضمير، وضمان بقاء الثروة، وتحويل الكسب غير المشروع إلى كسب مشروع. وتكثر العناوين الإسلامية واليافطات وأسماء المحلات ذات الرموز الإسلامية مثل «التوحيد والنور»، «الإسلام»، «الإيمان»، في جزارة الأمانة، وبقالة الإخلاص، وسباكة الصدق، وبلح مكة، وروائح المدينة، والطب النبوي. وفي البنوك إذا وجدت النساء طابور الرجال طويلا دعون إلى طابور للنساء منعا للاختلاط في الظاهر، وأسبقية للتعامل في الباطن. وإذا وجدن طابور النساء طويلا في مكاتب البريد والاتصالات وقفن مع الرجال، فالإسلام لا يفرق بين المرأة والرجل، والمهم هو طهارة القلب في الظاهر، وفي الباطن لأسبقية التعامل في طابور الرجال القصير. والبنوك الإسلامية تصدر حوائطها وأوراقها بآية

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٧٧