وهو ضد الأوضاع الحالية للمسلمين من جوع وعطش ونزوح الملايين وهلاكهم بالأمراض أو الفيضانات أو الزلازل وعدم قدرتهم على السيطرة على واقعهم، وانتظار المعونات الأجنبية لهم من الكنائس والمنظمات الدولية. أفواه جائعة، وأجساد هزيلة، وأرواح صاعدة إلى السماء بالمئات كل يوم بالحرب أو النزوح. وتصنف معظم الشعوب العربية والإسلامية بأنها ضمن الدول المتخلفة أو النامية تعيش على ما ينتجه غيرها، وتستورد أكثر مما تصدر. لا تستطيع سد حاجات البدن أولا قبل التعليم والثقافة في عصر ينتشر فيه الإعلام، وتسيطر فيه الصورة .
والكدح يدوي وعقلي. الكدح اليدوي في الإنتاج. فالأرض متسعة، والمياه وافرة في السودان والعراق ومصر، والسواعد في مصر والسودان والخبرات العربية في كل مكان. والاستثمارات موجودة في الخليج. فإمكانيات الإنتاج الزراعي متوافرة. ما ينقص هو الإرادة والإحساس بالوحدة والتضامن المشترك والاعتماد المتبادل وخطط ومشاريع قومية للتنمية دون الاعتماد على الاستيراد من الغير. والمعادن موجودة في الصحراء، القاحلة في ظاهرها، الغنية في باطنها. فالتصنيع وارد بدلا من الاستيراد. والطاقة موجودة. فالصناعة بعد الزراعة نتيجتان طبيعيتان للكدح اليدوي.
والكدح العقلي متوافر في العقول العربية والطيور المهاجرة التي تنمي البلاد المتقدمة. ما ينقص هو الثقة بالذات، وأخذ زمام المبادرة، والتحول من النقل إلى الإبداع، والتأسي بجهود السابقين حيث كانت الزراعة والري في الأندلس والعراق نموذجا لزراعة الأوروبيين وريهم. ما ينقص هو الخروج على عادة الاسترخاء والتبعية والاستسهال.
وإذا كان الفلاسفة قديما قد قسموا الإنسان إلى أنواع: الإنسان العاقل أو الحكيم
homo sapiens
الذي يقتصر دوره على التفكير والتنظير مثل فيلسوف اليونان، والإنسان المتكلم
homo loquox
الذي وظيفته الكلام والجدل والمناظرة مثل الفيلسوف اللاهوتي في العصر الوسيط أو المتكلم الإسلامي الذي يثبت صحة العقائد، و الإنسان الهوائي
homo patheticus
وهو الصوفي الذي توجهه الانفعالات والحدوث الوجدانية فإن الإنسان العامل
homo faber
هو النموذج الذي طالب به الإصلاحيون المحدثون طبقا للنموذج القرآني،
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ،
يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ،
يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون .
وقد قضى الغرب عصوره الحديثة في التحول من النظر إلى العمل. فالإرادة أوسع نطاقا من الذهن عند ديكارت. والعقل العملي هو القادر على التعامل مع بواطن الأمور وليس مع ظواهرها عند كانط. وفي البداية كان الفعل وليس الكلمة عند جوته. وليس المهم فهم العالم بل تغييره عند ماركس. والأنا تضع نفسها حين تقاوم عند فشته. والحقيقة عملية من صنع الإرادة عند برجسون.
والغريب أننا نعيب على الغير الذين يؤيدوننا باللسان دون الأفعال، وبالأقوال دون الأعمال مثل الغربيين والأمريكيين ونحن أولى بالنقد. فالأمة التي تقول إنها خير أمة أخرجت للناس محتلة، مجزئة، مقهورة، مغتربة، خاملة، راضية. شتان بين مثالها وواقعها. ليتها تتدبر معنى الكدح وتكون من الكادحين. (7) القسط
ومن مفاهيم العدل وصوره مثل الميزان مفهوم «القسط». وقد ورد في القرآن سبعا وعشرين مرة في صيغ متعددة، فعلية واسمية. أكبرها «القسط» اسم فعل، ثم «المقسطين» اسم مفعول جمع، ثم «القاسطون» اسم فاعل، ثم فعل الأمر «أقسطوا» أو المضارع «تقسطوا»، ثم أفعل التفضيل «أقسط».
ومن حيث المعنى أكثر الاستعمالات هو القسط مع اليتامى، والزواج منهن أفضل من استغلال ثرواتهن من الوصي عليهن،
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء . فاليتامى مثل المستضعفين من الولدان،