تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإصلاح هو سبب بقاء الشعوب في التاريخ والإفساد سبب انهيارها،

وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ، فالتاريخ مسار نحو التقدم، والإصلاح فاعله الرئيسي، والمحافظ عليه. الإصلاح هو السبيل إلى نهضة الأمم ، والإفساد سبب تأخرها، فالصالحون لهم وراثة الأرض،

أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، والمفسدون يندثرون ولا يبقون. (2) الفساد

الفساد يقابل الإصلاح. غياب الإصلاح فساد، وغياب الفساد إصلاح. وهما مثل التقدم والتأخر. التقدم إصلاح، والتأخر فساد. والمقابل اللغوي للإصلاح هو الإفساد، الفعل الرباعي. ومع ذلك فالغالب في الإفساد هو الفعل الثلاثي «فسد» أكثر من الفعل الرباعي «أفسد»، في حين أنه في الإصلاح الأغلب هو الفعل الرباعي «أصلح» أكثر من الفعل الثلاثي «صلح».

وإذا كانت النبوة إصلاحا فإن التكذيب بها إفساد، فمقياس التصديق بالوحي أو التكذيب به مقياس الإصلاح أو الإفساد في الأرض. فالوحي ليس فقط معرفة بل هو سلوك، ليس فقط نظرا بل هو عمل، ليس فقط إيمانا أو اعتقادا بل هو تغيير وتطوير إلى الأفضل.

وقد ورد لفظ «فساد» ومشتقاته حوالي خمسين مرة أقل من لفظ «صلح»، الثلث تقريبا مما يدل على أهمية الإصلاح وأنه من طبائع الأمور أكثر من الإفساد. محاربة الفساد مجرد مقدمة من أجل تحقيق الإصلاح، فالسلب مقدم على الإيجاب، والنفي سابق للإثبات.

وقد ورد اللفظ اسما (حوالي اثنتين وثلاثين مرة)، ويعني في معظمها الفساد في الأرض،

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ، والفساد لا يأتي بعد الإصلاح لأنه ضد طبائع الأشياء بل الإصلاح هو الذي يأتي بعد الفساد،

ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، وإفساد الأرض بإفساد الحرث والنسل أي الثروتين الزراعية والحيوانية،

ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد . الإفساد هو الخراب والقحط والمجاعة والموت كما يحدث في كثير من بلاد المسلمين في السودان والصومال وتشاد ومالي بالعجز عن السيطرة على الطبيعة وبالنزاعات الداخلية، وكما يحدث في فلسطين بتجريف الأراضي ونزع الأشجار. الفساد هو القضاء على مقومات الحياة العضوية في النبات والحيوان.

والفساد في البر والبحر،

ظهر الفساد في البر والبحر ، فالبحر مثل البر، تدفن فيه النفايات، ويصيبه التلوث. ويحدث في القرية أي في المجتمع،

إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها

وهو فساد النظام الاجتماعي والسياسي. ويظهر الفساد في البلاد أي في الأوطان،

الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد . وينخر في الدول ويقضي عليها.

والعلو والاستكبار في الأرض مظهر من مظاهر الفساد،

نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، وهو الفساد السياسي بمعنى القهر والتسلط والطغيان. ويقع الفساد في السماء والأرض باتباع الأهواء،

ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ، فالفساد يصل من الأرض إلى السماء إذا تابع الإنسان أهواءه وترك الحق، فالسماء رمز القيم والمبادئ، كما أن الأرض رمز الوقائع والأوضاع. هو الفساد الشامل في كل طبقات المجتمع، الخاصة والعامة، النخبة والجماهير، فساد الأغنياء لمزيد من الإثراء. وفساد الفقراء من أجل القدرة على التعايش وحفظ البقاء. ومقاومة الفساد في الأرض تطلب «الدفع» أي الصراع البشري والجهد والكد والسعي والمقاومة،

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . الفساد لا يمكن اتباعه والرضوخ له، بل مقاومته والتصدي له وكشفه وفضحه أمام الرأي العام.

ولا تتبع سبيل المفسدين .

والتولي عن النبوة فساد في الأرض. فالوحي هو طريق الإصلاح،

فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض . النبوة إصلاح في الأرض وتوجيه للطبيعة نحو الكمال، وتقدم التاريخ. الفساد عصيان،

آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين . وإنكار الحق وتكذيب النبوة، وهو فتنة في الأرض،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٦٨