تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسابقون السابقون * أولئك المقربون . ولفظ «سبق» أيضا مزدوج المعنى. يعني السبق إلى الأمام والسبق إلى الخلف، وهو ضد تصور آخر شائع يقوم على أن السلف خير من الخلف،

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وأيضا «خير القرون قرني، ثم الذي يلونه» حيث يبدو التاريخ منهارا، وأن السابقين خير من اللاحقين، وهو ضد الزمن والتقدم جوهره. وهي طبقات المؤرخين والمتكلمين والمفسرين والفقهاء.

إن كل شروط التنمية المستدامة متوافرة في الوطن العربي: رءوس الأموال من عوائد النفط، والعقول العربية القادرة على التنمية على مستوى أعلى الخبرات العالمية، والسواعد العربية والعمالة المهاجرة والخبرة التاريخية بالزراعة في مصر والسودان والعراق، والأسواق الشاسعة وملايين البشر للاستهلاك. فلا يوجد ما يمنع من إقامة السوق العربية المشتركة القائمة على التكامل الاقتصادي.

وإذا كان العالم، كما يقال قرية واحدة، وكانت العولمة قانونه فإنه لا يحل أزمة الغذاء وأزمة المياه في العالم إلا التوجه نحو الطبيعة والسيطرة عليها، وتسخير قوانينها، ونمو الأرض لزراعتها وتحويلها من أرض صفراء قاحلة إلى أرض خضراء يانعة. الإنسان في العالم مصدر خير وليس عدما أتى من لا شيء وينتهي إلى لا شيء.

ولما كانت الشعوب الإسلامية باستثناء البعض مثل ماليزيا وتركيا وإيران ضمن الدول النامية، حينئذ يكون معنى التنمية الدول التي تخطط للتنمية المستدامة وليست الدول الوسطى بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة. ويكون للتنمية معناها الدائم حتى عند الدول المتقدمة. فالتنمية موقف الإنسان من الطبيعة سيدا لها ومسخرا لقوانينها. وهي جانب من عملية التقدم الشاملة في الكون والتاريخ. (3) الهوية والتغريب

إذا كانت القضية الأولى في اليسار الإسلامي تحرير الأرض استكمالا لحركات التحرر الوطني ضد الهيمنة الجديدة وعودة الغزو العسكري للأوطان كما حدث في العراق، وكانت الثانية حرية المواطن ضد صنوف القهر الداخلي من نظم الحكم، والثالثة العدالة الاجتماعية ضد التفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، بين من لا يملكون أي شيء ومن يملكون كل شيء، والرابعة توحيد الأمة على المستوى الوطني أولا ثم العربي ثانيا ثم الإسلامي ثالثا طبقا لنظرية الدوائر الثلاث، الوطن والعروبة والإسلام، والخامسة التنمية المستقلة المستدامة ضد الاعتماد على الخارج والمعونات الأجنبية حتى تستهلك الأمة ما تنتج. فإن السادسة هي الدفاع عن الهوية ضد مظاهر التغريب، وإثبات الأنا ضد الآخر، وهو ما سماه الفلاسفة المعاصرون «الاغتراب»، أي تحول الأنا إلى آخر والذوبان فيه، وفقد هويتها بحيث يصبح الأنا غريبا على نفسه، فاقدا لهويته. والاغتراب في حياتنا المعاصرة تغريب؛ لأن الآخر الذي يستقطب الأنا هو الغرب. فأصبح الاغتراب تغريبا بالضرورة أي الانبهار بالغرب واعتباره هو النموذج الوحيد للتحديث. ومن لم يكن غربيا فهو ليس حدثيا، أو أصولي سلفي.

والتغريب هو أولا ظاهرة ثقافية تعبر عن الاعتداد بالنفس وهويتها المستقلة وكيانها الذاتي. تعبر عن نفسها من خلال الثقافة الوطنية التي تحمي هوية الشعب وخصوصيته. كما تتجلى في الفن وأساليب العمارة وطرز البناء، وفي الزي الشعبي مثل الجلباب والعباية والخف بعد أن اختفى الطربوش التركي، وفي الأثاث العربي المعروف باسم «الأرابيسك» وفي أنواع الأطعمة الشرقية الشهيرة. وتتمسك كل الشعوب بذلك. فهناك الطراز الصيني والياباني والكوري والهندي والماليزي والإندونيسي والتركي والإيراني والعربي والأفريقي والأوروبي. هذه الخصوصيات والتعددية الثقافية والفنية هي أساس التعارف بين الشعوب المختلفة اللغات والمشارب من أجل التعارف والإثراء المتبادل. ثقافات متعددة وحضارة إنسانية واحدة. ويقطع الناس الفيافي والبحار ويعبرون القارات للتعرف على ثقافات الشعوب الصينية واليابانية والهندية والفارسية والمصرية القديمة والعربية. يعشقون الآخر، ويتمثلون ثقافاته وفنونه حتى أصبحت السياحة لدى بعض الدول المصدر الأول للدخل القومي. كما أن التمسك بالهوية ليس مجرد عود إلى الماضي بل هو حفاظ على الاستمرارية في التاريخ وعلى الهوية المتجددة بين الماضي والحاضر والتي يساهم فيها كل جيل. هي موطن الإبداع، فلا معاصرة بلا أصالة، ولا جديد بلا قديم، ولا تحديث بلا تراث. لذلك أضيف إلى اسم بعض وزارات الثقافة «والتراث القومي»، بالإضافة إلى مصلحة الآثار والمهرجانات التراثية الشعبية التي تقام كل عام على الصعد الوطنية والعربية والعالمية.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٣٢