تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهدف من التنمية المستدامة تحرير الإرادة الوطنية من الاعتماد على الخارج ودون ارتهانها بالمعونات الأجنبية المشروطة بالدخول في أحلاف مع الدول المانحة أو إقامة قواعد عسكرية، برية وبحرية على أراضيها. فالطعام لا يستورد وإلا جاع الشعب في حالة الحصار. والأمة التي لا تأكل مما تنتج تظل أسيرة لمصادر طعامها، وأهمها القمح، فرغيف الخبر حاجة أساسية كالماء والهواء والتعليم والصحة والإسكان. تدعمه الدولة حتى تستطيع الطبقات الفقيرة شراءه بالأجور المحلية التي لا تستطيع مجاراة الأسعار العالمية.

وتدخل التنمية المستدامة ضمن إعمار الأرض وتأسيس العمران في مفهوم الأرض في القرآن الكريم، فالأرض خضراء وليست صفراء. تخضر من نزول الماء عليها،

ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة . فالنبات الأخضر من فعل الطبيعة بنزول الماء على الأرض ومن فعل الإنسان بزراعة الصحراء،

فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا . فالإنسان في زراعته الأرض يتشبه بالله الذي ينزل الماء عليها لتصبح مخضرة. والأخضر ضد اليابس. يأكله ويحتويه،

وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات . واللون الأخضر هو لون أرائك الجنة،

متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ، ولون ثياب أهل الجنة،

عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق .

أما اللون الأصفر فهو لون سلبي، لون الجفاف والصحراء والهشيم الذي تذروه الرياح والذي يسهل اقتلاعه من الأرض،

ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ، وهو لون الريح العاتية التي تهب فلا تبقى ولا تذر،

ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ، وهو لون شرار النار،

إنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه جمالة صفر . هو لون الموت والضحية مثل بقرة نبي إسرائيل،

قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . وفي الثقافة الشعبية توحدت الثقافة العربية بالصحراء، التوحيد امتدادها اللانهائي، وأخلاقها التعاون والبر والتكافل، رموزها الجمل والناي والخيمة.

ويستمر الحديث في صورة القرآن في التأكيد على أن اللون الأخضر هو لون الحياة المستمرة. «لو جاء أحدكم ملك الموت وفي يده فسيلة فليغرسها». فالاخضرار فعل مستمر للإنسان من المهد إلى للحد. وفي زيارة القبور يوضع العشب الأخضر، والزرع الأخضر ترحما على الميت. فالحياة الخضراء مستمرة بعد الموت، وهو اللون المفضل عند الصوفية في عمائمهم وأعلامهم وشاراتهم وبيارقهم. والشيخ الخضر رمزهم وإمامهم، وهو اللون الذي آثرته العديد من الدول الإسلامية لأعلامها الوطنية رمزا للأرض الخضراء، وهو اللون الذي يستعمل في الحياة السياسية مثل «المسيرة الخضراء» و«الكتاب الأخضر».

مهمة الإنسان في الطبيعة إذن السيطرة عليها وتسخير قوانينها لصالحه. علاقة الإنسان بالأرض هي علاقة الفاعل بالمفعول، الزارع بالزرع. فقد خلق الكون كله لصالح الإنسان. الأرض لفأسه، والماء لريه. دوره زرع الأرض وتحويل الصحراء الصفراء إلى أرض خضراء، وإقامة السدود وبناء الجسور لحفظ المياه كما فعلت الملكة سبأ في تشييد سد مأرب. والإنسان قادر على تفجير الماء من الصخر كما فعل موسى حينما ضرب الصخر بعصاه فانفجرت منه العيون، وعندما سعت السيدة هاجر زوجة إبراهيم بين الصفا والمروة بحثا عن الماء لشرب ولدها إسماعيل حتى لا يهلكا عطشا فانفجرت عين زمزم والتي أصبحت فيما بعد من مناسك الحج.

ويرتبط مفهوم التنمية المستدامة ليس فقط بالطبيعة وتسخير قوانينها بل أيضا بمفهوم التقدم. وفعل «قدم» يعني في نفس الوقت القديم والتقدم والسبق،

والسابقون السابقون ، وهو عكس التأخر،

لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر . التنمية خير والسبق فيها فضيلة،

فاستبقوا الخيرات ، وهو منافسة في التقدم،

فالسابقات سبقا . والسابقون هم الذين ينالون الفوز،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٣١