والآن تغزى الدول من جديد كما حدث في العراق وأفغانستان. وتفكك الأوطان كما يحدث في السودان والصومال. وتتحول إلى فسيفساء طائفي عرقي مذهبي، سني وشيعي وكردي وتركماني في العراق، وسني ماروني درزي في لبنان، وسني شيعي في دول الخليج، ومسلم قبطي في مصر، وعربي بربري في المغرب العربي كله، وعربي أفريقي في السودان، وزيدي شافعي في اليمن، ونجدي حجازي في السعودية، وصومالي سنغالي في موريتانيا، ومغربي صحراوي في المغرب الأقصى. وبالتالي تأخذ إسرائيل شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية في المنطقة لإقامة دولة قومية يهودية في فلسطين، وطرد أكثر من مليون فلسطيني من عرب 1948م. وتمنع أكثر من مليونين آخرين من اللاجئين من نكبة 1948م ونكسة 1967م. وتنتهي أية قوة وحدوية في المنطقة، إسلامية أو عربية أو قطرية في الدول التاريخية في المنطقة، مصر والعراق والمغرب. ويقضى على إمكانية تكوين قطب إسلامي أو عربي في مواجهة القطب الأول، الولايات المتحدة الأمريكية، وإقامة عالم متعدد الأقطاب. فالعولمة ذات اتجاهين وليست اتجاها واحدا، توحيد المركز، مجموعة الثمانية، الشركات المتعددة الجنسيات، الغرب الصناعي، وتفتيت الأطراف في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية كي تبقى سوقا للاستهلاك أو مصادر للمواد الأولية أو للعمالة الرخيصة.
وقد ذكر لفظ «الأمة» ومشتقاته في القرآن حوالي مائة وثماني عشرة مرة. منها ما يقرب الثلث بمعنى الأم والرحم. فالأمة بمثابة الأم، أم الجميع. والثلثان تقريبا بمعنى الأمة، معظمها بالمفرد «أمة» وأقلها بالجمع «أمم». ومن اللفظ اشتق لفظ «إمام» بمعنى القيادة. والنادر «أمي» بمعنى صاحب العلم الطبيعي الذي لا يأتي فقط من القراءة والكتاب. فمحور استعمالات «الأمة» كفرد حوالي النصف.
وهي أمة واحدة، تعبيرا عن الإله الواحد، وانعكاسا لصفة الوحدانية في حياة البشر،
إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون . وهي أمة مسئولة على البشر جميعا. فهي آخر الأمم،
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا . وهي صاحبة رسالة،
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله . وهي رسالة الإله الواحد الذي يتساوى أمامه الجميع، وحدانية البشر، دون تمييز بين قوة وضعف، كثرة وقلة، لون أو لغة أو دين. أمة تدعو وتبلغ وتبين للناس. وهي رسالة خلقية توحيدية لا تقوم على المعيار المزدوج أو قسمة البشر إلى مركز ومحيط، متحضر وبدائي،
ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك . وهي أمة وسطية لا تغالي. تأبى التطرف والغلو،
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . وهي أمة ملتزمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. لذلك كانت خير أمة أخرجت للناس،
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . هي أمة إبراهيم،
إن إبراهيم كان أمة . هي أمة في التاريخ لها عمر كالأفراد لا تقلدها غيرها من الأمم السابقة. فالمتقدم لا يقلد المتأخر،
إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون . وبالرغم من أن المسئولية فردية،
وكلهم آتيه يوم القيامة فردا .
وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ، إلا أن المسئولية أيضا جماعية،
أن تكون أمة هي أربى من أمة ،
كلما دخلت أمة لعنت أختها ، جزاء التقليد الذي يؤدي إلى الهلاك وعدم تحمل المسئولية الجماعية.
ليست وحدة الأمة بالضرورة وحدة سياسية مركزية كما كان الحال في السابق في الدول الأموية والعباسية حتى العثمانية. فقد كانت الخلافة اسمية، والأمصار مستقلة عنها، أكثر أو أقل. بل هي وحدة الأخوة والتعاطف المشترك، الوحدة الوجدانية. وهي أيضا وحدة نسق القيم والمبادئ والتصور المشترك للعالم المستمد من التوحيد. وهي وحدة التضامن الاجتماعي والشعور بالأمة. هي وحدة المبادئ والغايات، المقاصد والأهداف لتحقيق الإسلام كنظام مثالي للعالم. وبلغة المحدثين هي وحدة الثقافة والحضارة ونسق القيم والتصور للحياة. وهي وحدة الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك. وهي وحدة المصالح في الحرية والاستقلال والتنمية والتعاون ضد الأخطار المشتركة، الاستعمار وكل أشكال الهيمنة، والصهيونية كاستعمار استيطاني جديد.