ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي . وهم في حاجة إلى صبر معهم لأنهم ينتظرون الآجل دون العاجل،
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي . وقد يحدث النقيض لمن لا يؤمن بالله ولا يدعوه أو يسبح له أو يذكره. إذ يعرض على النار ذهابا وإيابا من النهار إلى المساء ومن المساء إلى النهار،
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا . والخامس اللحظة المباغتة التي لا يعيها الإنسان إذا كانت في الصباح أو في المساء، في الضحى أم في العشي لأنه لاه عن الزمان غير واع به،
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها .
ولا تخرج المعاني التداولية في الحياة اليومية عن هذه المعاني الخمسة، الموعد في «أجيلك في العشية»، والطعام في «موعد على العشاء»، وفي الصلاة «صلاة العشاء»، ومن نفس اللفظ اشتق «عاش»، «يعيش» «عيشا» أي الحياة. والخبز قوام الحياة. والزمان هي الحياة. (8) الصبح والإصباح
ومن مفاهيم الزمان الجغرافي مع الفجر والضحى والعشي، الصبح والإصباح. ولا يوجد في مقابل المساء فعلا أو اسما بل يوجد الأمس في مقابل اليوم والغد، أبعاد الزمان الثلاثة.
وقد ورد اللفظ في القرآن خمسا وأربعين مرة لأهميته، فعلا أكثر منه اسما بنسبة الثلاثة الأخماس إلى الخمسين (28 : 17)، للدلالة على التحول والتغير عكس الثبات والسكون. والفعل من أخوات كان مع «أمسى» و«صار» ضد شبهة ثبات الفكر العربي وسكون الفكر الإسلامي، وهو سبب تأخر المسلمين. في حين تقدم الغربيون الذين آثروا التحول على الثبات، والتغير على السكون، وكما عبر عن ذلك أدونيس في رسالته الشهيرة ذات الأربعة الأجزاء «الثابت والمتحول».
والغريب ورود اللفظ بمعان سلبية أكثر منها بمعان إيجابية، أربعة أخماس في مقابل خمس (36 : 9). فهل يعني ذلك أن التحول سلبي أكثر منه إيجابيا، أم أن التحول لو ترك لنفسه لكان سلبا ويحتاج إلى إرادة الإنسان للمقاومة وتحويله من سلب إلى إيجاب؟ قد يصيب التحول السلبي الثمر فيفسد،
وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها . وقد يصيب نبات الأرض فيصبح هشيما تذروه الرياح،
فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح . وقد يصيب الجفاف الماء فلا ينبت زرع ولا ثمر،
قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين . وقد يهرب الماء إلى باطن الأرض فلا يمكن رفعه،
أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا . وقد تجف الخضرة وتصفر وتصبح الجنة كالصريم،
فأصبحت كالصريم . وقد يصيب الهلاك الحرث،
فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين . وقد يصيب الفساد حياة البشر وتمنع أرزاقهم،
وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء . وتهدم مساكنهم،
تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم . وقد يصيب الفساد حياة الإنسان، ضميره وفؤاده. يصاب بالخوف من القتل،
فأصبح في المدينة خائفا يترقب . ونتيجة لذلك ينتاب الإنسان من سوء أفعاله الندم لأنه لم يستطع حتى أن يواري سوءة أخيه بعد قتله،
فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين . وعقر اليهود الناقة عاصين ربهم فأصبحوا من النادمين،
فعقروها فأصبحوا نادمين . بل يندم الإنسان على ما يسر في نفسه من شر،
فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين . وتؤدي سوء الأفعال إلى الخسارة،
فقتله فأصبح من الخاسرين . تحبط الأعمال. يكفر بالنعمة، وينهار البنيان والعمران وتأخذ الناس الرجفة والصيحة،
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين .
وفي مقابل هذا التحول السلبي من جراء سوء الأفعال هناك تحول إيجابي لحسن الأفعال. فيهبط الماء وتخضر الأرض،
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة . ويتحول الليل الهادئ السكان إلى صبح للنشاط والفعل،
فالق الإصباح وجعل الليل سكنا . والتحول من الكراهية إلى المحبة، ومن الفرقة إلى الجماعة، ومن التفكك إلى الترابط،