هذه هي فلسفة السؤال والجواب في القرآن الكريم. السؤال الواقعي والجواب النافع. (3) السؤال النافع
ويتضمن القرآن في فلسفته للسؤال الإجابة عن السؤال النافع وترك السؤال الذي لا نفع فيه، السؤال النظري الخالص الذي لا يحتاج إلى إجابة نظرية بل إلى استعداد عملي، وهو في سبعة موضوعات: (1)
كثرة السؤال والإلحاح. فكل سؤال له إجابة. وكل إجابة تتضمن تشريعا. وكل تشريع قيد. والإنسان يكره القيود بطبعه. فيلفظ الشريعة،
قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين . والسبب كثرة السؤال. فقد سأل موسى كثيرا رفيقه الخضر حتى شعر أنه أكثر السؤال،
قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني . وهذه هي تجربة اليهود، كثرة السؤال ادعاء للإيمان والطاعة ثم رفض الإجابة امتناعا وعصيانا،
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . (2)
والسؤال لا يكون من الصديق إلى الصديق، ومن الحميم إلى الحميم،
ولا يسأل حميم حميما . فبين الأصدقاء هناك لغة الصفاء والاتحاد والتفاهم المشترك دونما حاجة إلى سؤال. السؤال يقتضي التمايز بين طرفين، والغربة بين شخصين. السؤال يكون من الغريب إلى الغريب. (3)
والسؤال لمزيد من العلم وليس لمجرد حب الاستطلاع. السؤال عما يمكن معرفته وليس عما يستحيل معرفته مثل السؤال عن المجهول المطلق مثل الغيب الذي لا وسيلة للإنسان إلى معرفته،
قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ، وهو ما قرره كانط من قبل عن حدود المعرفة الإنسانية وإمكانياتها. فالإنسان لا يعرف إلا الظاهر، ما يبدو له، وليس الباطن ما يخفى عليه. العلم علم بالظواهر وليس بالبواطن على الرغم من ادعاء الصوفية وأهل الباطن والباطنية بوجه عام. (4)
والمحتاج لا يسأل بل تعرف في وجهه الحاجة ويتعرف الناس عليه،
تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا . مع أن السائل في حاجة، وهو سؤال عملي، ولكن الكرم لا يطلب، والعون لا يسأل احتراما لكرامة الإنسان وإلا تحول الفقراء إلى سائلين وسوالين. وقد نقد محمد إقبال «فلسفة السؤال» أي الشحاذة، من يسير طيلة النهار مادا كفيه إما طلبا للإحسان من الناس أو طلبا للعون من الله. فالمؤمن ليس شحاذا. والشحاذ ليس مؤمنا. والمؤمن من يعمل بقبضة يديه في الأرض ولا يرفعها إلى السماء. (5)
والسؤال عن الكتاب أصله ومصدره ومرسله ورسوله لا فائدة منه. السؤال عن الرسالة وفحواها ومتطلباتها وغايتها والهدف منها ومنفعتها هو الأهم. ليس السؤال هو نزول كتاب من السماء. فالكتاب ليس شيئا يرى بل كلاما يقرأ وفعلا يتحقق،
يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء . كلام الله يرسل إلى ذهن النبي إلى عقول الصحابة شفاها حتى يؤثر فيهم بالصوت قبل التدوين. والقراءة أقرب إلى القلب من الكتابة؛ لذلك آثر الصوفية الطريق الشفاهي للتعليم وليس الطريق الكتابي. (6)
والسؤال عن الساعة سؤال يقضي على الوجود الزماني، وأن الجهل بساعة الموت بعد العلم بساعة الميلاد هو شرط الإبداع الذاتي قبل وفاة الأنا؛ لذلك قال الفلاسفة إن الوجود زماني، وإن الزمان وجودي. ومن لا يموت لا يكون إنسانا. لا يحب ولا يخاطر ولا يسرع ولا يفعل شيئا في اللحظة لأن عمره محدود في الزمان كله كما صورت سيمون دي بوفوار في مسرحيتها «كل البشر فانون»،
يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله ، وهو معنى سؤال أحدهم للرسول «متى الساعة؟» قال: «فاستعد لها». ليس الزمان هو الحدث الخارجي، الواقعة، بل هو شعور داخلي يدفع إلى الحركة والسبق. زمان الحدث هو الزمان الكمي المكاني، زمان القطارات والعربات والبواخر والمواصلات، وهو ما عبر عنه برجسون بوضوح في التمييز بين الزمان المكاني، زمان الساعة، الامتداد، والزمان الشعوري، الزمان النفسي، التوتر. (7)