تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان العمل الفكري في تراثنا القديم عملا جماعيا لم يحدث باجتماع المفكرين معا في حلقة بحث واحدة كما يحدث في العصر الحالي، مع أن هذا قد حدث عند إخوان الصفا وفي حلقات الكلام والفقه والتصوف، بل عمل جماعي قامت به الحضارة الناشئة من مركز واحد وهو الوحي، وكأن الوحي المتحول إلى حضارة هو الذي يضفي على المؤلفين من وحدتهم، ويجعلهم جميعا وسائل يظهر هو فيها من خلالهم، للفكر مساره في التاريخ وما الأفراد إلا حوامل له، ومؤلفات أصول الفقه أبنية عقلية خالصة ومناهج تاريخية ولغوية وعقلية لا شأن لها بالقائلين بها، بل هي تعبير عن أنساق عقلية خالصة وكأنها موضوعة بفعل كلي شامل.

13

فإن قيل: إن الهدف من المنهج التاريخي هو الإخبار، والحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الحضارة موضوع الدراسة، فكيف يتأتى الفهم المطلوب لها إن لم تكن هناك المادة المفسرة أو المفهومة، وإن لم يتم البحث والتنقيب عنها والتعريف بها؟ قيل: كل هذا ليس مهمة المفكر بل مهمة المحقق والناشر والمؤرخ، ولكن الباحث يأتي بعد ذلك لفهم ما جمعه المؤرخ وتفسيره وبيان دلالته، ليست مهمة الباحث هي الإخبار والتعريف، أي أن يروي لنا ما حدث بالفعل لأن روايته لا تؤدي في الغالب إلى شيء جديد لأن الفكر لا يمكن تحويله إلى وقائع يمكن سردها خاصة إذا كان ناشئا من وحي يتحول هو إلى فكر، ويتشكل في صورة علوم حضارية محددة، هدف الباحث إذن ليس الإخبار والتعريف، بل إرجاع الظواهر الفكرية إلى أصولها الأولى التي خرجت منها - الكتاب والسنة - لمعرفة كيفية خروجها منها ومحاولة العثور على منهج أو مناهج دائمة ومتكررة يمكن بواسطتها العثور على منهج إسلامي عام، فإذا كان الهدف من الإخبار هو إيصال المعاني فإن المعاني لا توجد في الوقائع التاريخية بل توجد حين توجد الوقائع في النفس وذلك عن طريق التوحيد بين التجارب الشعورية للنفس وبين الوقائع الماضية باعتبارها تجارب شعورية أيضا، يتم إيصال المعاني عن طريق قراءة الحاضر في الماضي، والشعور بالماضي في الحاضر، وليس عن طريق «الإخبار» المادي، فالوقائع المادية مصمتة لا تحمل أي معنى، لقد أدى الإخبار دوره، وهو مرحلة تمت وانتهت، فقد عرفنا ما حدث في التاريخ وتكرر ذلك حتى أصبح معادا مرددا بل منقولا من باحث إلى آخر، والآن بعد إرجاع المواضيع إلى أصول في الوحي يمكن إعادة بنائها وإعطائها أسسا عقلية يمكن أن تعطيها أبنية مستقلة بذاتها لها براهينها وصدقها ووضوحها في ذاتها، ليس المطلوب الآن هو الإخبار بل اكتشاف «تصورات العالم» في علومنا القديمة التي تحدد نظرتنا إلى واقعنا المعاصر والبحث عن موجهات سلوكنا في أبنيتنا النفسية القديمة التي ورثناها.

لقد نشأ الاستشراق لهذه الغاية، وهي الرغبة في الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات عن البلاد الأخرى التي وقعت تحت الاحتلال الأوروبي حتى تستغل هذه المعلومات في فهم روح الشعوب القاطنة هناك حتى تسهل السيطرة عليها ومخاطبتها بلغتها، كانت الغاية جمع المعلومات إلى الوطن الأم وهي أوروبا، عندما كانت دولها سيدة البحار، وكان المستشرقون هم الوسيلة لذلك،

14

تبعناهم نحن وظننا أن حضارتنا هي مجرد إخبار عن ماضي ووقائع نستعيد ذكراها وكأننا نعرف أنفسنا بما نجهل، ولكن هذه المرحلة انتهت أو قاربت على الانتهاء، يحاول بعض المستشرقين النفاذ إلى جوهر الفكر دون التاريخ ونتلمس نحن ذلك ولكن على استيحاء، ولكن لم يحاول معظمهم حتى الآن تمثل روح القرن العشرين، روح التحرر في البلاد النامية لأنه ما زال غريبا في عقليته وفي بنائه النفسي، وفي أهدافه وبواعثه؛ ولذلك نشأ صراع خفي أو معلن بين المستشرقين والباحثين الوطنيين في البلاد النامية الذين استطاعوا فهم لعبة الاستشراق وإقامة بديل عنه، وتأسيس علوم إنسانية وطنية، خاصة علم الاجتماع، ولكن ما زال المستشرقون يجدون من يفتح لهم ذراعهم من الباحثين الذين هم امتداد الاستشراق في بلادهم، والذين وقعوا ضحية مناهجهم، والذين لم يبلغوا بعد درجة الوعي القومي، والذين ما زالوا يسلكون «بعقدة الخواجة» أو الذين تربطهم بالاستشراق الغربي مصالح مشتركة من مناصب أو درجات أو دعوات أو مؤتمرات.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٣٥