والتشابه يوجد في أن كلا من الموقفين، القديم للفكر والجديد للباحث يتلخص في كيفية حل النص الموحى به للمشاكل الجديدة الموجودة أمامه ويكون السؤال: ما هو الاتجاه الفكري للمفكر أو الباحث ابتداء من النص الموحى به في فهمه له وفي تحليله للعوامل السائدة في موقفه؟ وبعبارة أخرى، كيف يمكن للنص الموحى به السيادة على الموقف وابتلاعه وتحويله إلى حالة فرعية بالنسبة له وهو الأصل؟ فإذا تشابه الموقفان يمكن للباحث الحالي أن يسقط تحليلاته لموقفه على المفكر القديم مما يساعده على سرعة الفهم ووضوح الرؤية، إذ إنه يعيش الموقف من جديد، هذا الموقف الذي عاشه المؤلف القديم، فالمواقف واحدة والاتجاهات منها واحدة إذا تشابهت الظروف وتقاربت الاحتياجات.
الفلسفة الإسلامية ليست مجرد تاريخ للتراث القديم، بل هو موقف للباحث المعاصر، فالباحث المعاصر غالبا ما يكون باحثا مسلما وفيلسوفا في نفس الوقت؛ ولذلك فإنه لا يستطيع أن يبحث محايدا بل يبحث ملتزما وآخذا لموقف، فلا يكفيه أن يقرر ما قاله مفكرو التراث، بل عليه أن يدخل في مشكلاتهم التي يصنعونها بوصف الموقف القديم وتقييمه ثم إعادة بناء هذه المشكلة أو تلك في الثقافات المعاصرة، تلك هي مهمة الباحث أساسا، والاكتفاء بالتقرير أو بالنقد الخارجي الذي يعتمد على قضايا الدين ومسلماته أو على المزاج الشخصي، هذا النقد الذي يلحق بنهاية البحث لا يكفي لإعادة بناء الموقف القديم، فالباحث المسلم يختلف عن المستشرق في أنه داخل في التراث، والتراث جزء منه، وهو مسئول عنه مسئولية قومية، ولا يستطيع أن ينظر إليه نظرة السائح الغريب الذي يعجب ويتأمل عالما غريبا عنه بل هو مسئول فكريا وقوميا عن موضوع دراسته، وله الحق في تغييره بالزيادة أو النقص، وفي تأويله وتفسيره طبقا لحاجات عصره، وفي إكماله وتطويره طبقا لظروف العصر، وهكذا كانت علاقة المفكرين بعضهم ببعض، فلم يكتب الفارابي كتابا عن الكندي عارضا آراءه، ولم يكتب ابن سينا كتابا عن الفارابي أو الكندي محللا لنظرياتهما، ولم يكتب ابن رشد كتابا عن الفارابي أو الكندي عارضا لوجهة نظرهما، بل كان كل منهم مسئولا فكريا وحضاريا (أي قوميا بلغة عصرنا) عن أعمال سابقيه، فطورها ناقدا ومغيرا ومكملا، بل إن كل عالم من علماء أصول الدين أو أصول الفقه كان يضع العلم ويعيد تأسيسه ولا يكاد يذكر سابقيه لأن العلم مستقل عن واضعيه، وكان لا يذكر إلا من ينفرد بموقف خاص يخرج من البناء للعلم. ولم يكن موقف علماء الأصول من بعضهم البعض موقف الشرح والعرض بل كان موقف الند للند: الحوار، والجدل، والنقاش، والنقد، والتفنيد، والهدم، وإعادة البناء، ولم يقم أحد بما نقوم نحن به الآن من تكرار لمادة قديمة نعيد عرضها، ونبيعها، ونتعالم بها بغزارة العلم واتساع الاطلاع وكثرة المراجع ووفرة الاقتباسات الصريحة منها والضمنية، المعلن عنها وغير المعلن حتى لقد أصبح تراثنا القديم تاريخا للمعارك الفكرية وليس مجرد متحف للأفكار يتنقل بينها السائح وهو غريب عنها، كان الصوفي يأخذ من الصوفي السابق، ويتمثله، ويزيد عليه، ولم يكن مجرد عارض لآرائه محللا لها، بل إنه حتى في عصر الشروح والملخصات كان الشرح زيادة على القديم، وكان التلخيص تركيزا على الأبنية العامة للقديم دون أطرافها، فكان أيضا عملا إيجابيا، ولم يكن مجرد إخبار وتعريف وتكرار وعرض، وكان الفقهاء أيضا يكملون بعضهم البعض أو يختلف بعضهم مع البعض الآخر، والجميع على نفس المستوى من المسئولية الفكرية والقومية، ولم تكن تعني التلمذة على شيخ والريادة عليه تكرار المريد للشيخ في التصوف أو الفقه أو الأصول، بل كانت تعني رد فعل ومعارضة ومناقضة، فإذا شب المريد فإنه يعيد بناء مذهب الشيخ قبل أن يعد فضائله ويذكر مناقبه، ويتضح ذلك أكثر في الفلسفة، فالفلسفة ليست مذاهب للكندي أو الفارابي أو ابن سينا أو إخوان الصفا أو ابن رشد بل هي قسمة عامة للفلسفة إلى منطق وطبيعيات وإلهيات، ويمكن زيادة قسم آخر وهو النفسانيات كما هو الحال عند إخوان الصفا، وهناك في الإلهيات نظريات عامة تحدد الصلة بين الإلهيات والطبيعيات، هناك أيضا موضوعات عامة مثل استقلال قوانين الطبيعة أو عدم استقلالها بصرف النظر عن المفكرين الذين قالوا بالأول أو بالثاني، وكان يمكن أن تتغير الأسماء، ولكن لا تتغير الأبنية الفلسفية أو علوم الحكمة أو النظريات أو النتائج أو الموضوعات أو المسائل، قد يكون هدف المستشرق من نسبة الفكر إلى القائل به هو إثبات جدب الحضارة، وصمت الوحي، وأنه لولا الفيلسوف أو العالم لما ظهر الفكر، فالإنسان هو خالق الفكر وليس الوحي هو مصدر الفكر، فإذا كان هؤلاء المفكرون والعلماء معظمهم غير عرب وإن كانوا مسلمين، فإن المستشرق بذلك يكون قد حقق هدفه من إثبات نظرته القومية على الحضارة الإسلامية، وإرجاع الإبداع إلى الخصائص القومية للحضارة وحتى لا تكون هي الحضارة العربية.