تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وبقدر ما أصبحت الظاهريات تقريبا كلمة السر على لسان الباحثين حقا أم باطلا لإغرائها، فإنها أبعدت باحثين آخرين جادين عنها بسبب لغتها.

3

نعم، أصبح من المسلم به أن لغة الظاهريات لا يمكن فهمها؛ فقد سال حبر كثير لتقال أشياء قليلة، بل أصبحت هي السمة الجوهرية في الفلسفة المعاصرة التي تنتسب إلى الظاهريات.

4

وقد جعلت مأساة لغة الظاهريات مشكلة الاتصال بين الباحثين ومؤلفات الظاهراتيين أو بين الظاهراتيين والباحثين من علوم أخرى مشكلة عاجلة. يكفي أخذ رأي الظاهراتيين في أعمال مؤسس المنهج، ويكفي أيضا سماع الاتهام بالتلاعب اللفظي الموجه من غير الظاهراتيين إلى الظاهراتيين.

5

ويكفي أيضا مراجعة الدراسات النظرية حول الظاهريات لمعرفة سيادة اللغة التي تضاعف ثقلها، اللفظ فوق اللفظ، والمفهوم فوق المفهوم، دون أي جهد للتخلص من هذه اللغة المعملية وحجرة العمل التي منها خرجت الظاهريات أثناء التكوين. ويستطيع لفظ واحد أن يخلق عدة خلافات في التفسير. ويوجد في الظاهريات حاليا السلفيون والحدثيون. هناك توضيح لأعمال مؤسس الظاهريات، وهناك تفسير شخصي لها. صحيح أن تطور الظاهريات لا يمكن تجنبه إن لم يكن ضروريا بشرط ألا يكون هذا التطور خديعة المشكلات الناشئة عن لغة الظاهريات.

6

الظاهريات الآن مثقلة بلغتها؛ غمضت مقاصدها، وقل وضوحها؛ بسبب تعقد مصطلحاتها. وطويت بداهة اختياراتها داخل جهاز اصطلاحي مثقل. الظاهريات ما زالت في المعمل، وما زالت تصنع، دون أن تخرج بمنهج واضح ومتميز. وقد ساعدت البيئة الثقافية التي أغرتها دائما المصطلحات الجديدة على زيادة الحمل اللغوي المثقل. ويقترح كل ظاهراتي إضافة مصطلح بدلا من التخلص من مصطلحات سابقة، مع أنه يمكن ممارسة تحليل الخبرات الحية بسهولة ويسر باستعمال أسلوب أقل تعالما، ومصطلحات أقل غلظة. يمكن التعبير عنها بلغة عادية يفهمها الجميع. لا ترجع عظمة الظاهريات في المخزون الهائل من المصطلحات المستعملة بل في بداهات مقاصدها، وفي سهولة التعبير عنها وإيصالها. فلا يرهب القارئ هذه الكيمياء للفكر، بل على العكس يطمئن إلى بداهاتها ومقاصدها الخاصة التي تعطيها له الظاهريات بتحليلاتها. ولا ينال الأسلوب العادي من الظاهريات باعتبارها علما ظاهراتيا رفيعا، بل على العكس يجعلها أقل ادعاء علميا في الظاهر، وأكثر مباشرة نحو الواقع. تستطيع كل ظاهريات أن تخلق لغة خاصة قادرة على التعبير عن الخبرات الخاضعة للتحليل. لكل موضوع طبيعته يعبر عن نفسه في لغة اصطلاحية من نفس الطبيعة.

7

والمصطلحات الرئيسية يمكن الإبقاء عليها مثل : المعيش، صورة الشعور، مضمون الشعور، قصدية، حدس، بداهة، معطى، ماهية، دلالة.

8

وقد أصبحت عادية في الاستعمال. إنما هي التفريعات اللغوية التي تزيد غموضا من المصطلحات الرئيسية، وخطوطها العامة هي التي يمكن تجنبها. فلا ينخدع الظاهرياتي بعديد من المصطلحات، لا تشير ولا تعبر إلا عن شيء واحد. والدقيقات في التحليل بالبحث لكل همسة عن لفظ مستعار من التراث الفلسفي يتم تركيبه عن طريق ضم بضعة مقاطع أمر لا ينتهي.

وتجديد لغة الظاهريات ممكن عن طريق دلالة اللغة المورثة، ومع التخلص من الجهاز المفاهيمي الرياضي المنطقي أو النفسي الفلسفي الذي استعملته الظاهريات من أجل خلق ألفاظ مستمدة من اللغة العادية للتعبير عن بداهات الخبرات اليومية. وهذا ما أرادته الظاهريات نفسها وما تنبأت به.

9

إذن لا يتعلق الأمر هنا بالتطهير الفعلي للغة الظاهريات، بل فقط بإبداء بعض الملاحظات الأولية النافعة للظاهراتيين. وتطهير اللغة عمل ضروري قبل وضع الظاهريات موضع التطبيق.

| ثانيا: قواعد المنهج الظاهرياتي1

في حين أن لفظ «منهج» لم يستعمل للإشارة إلى الظاهريات، بل استعملت تعبيرات «الظاهريات الخالصة»، «الفلسفة الظاهراتية»، فإن الظاهريات هي أساسا منهج.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ٩