29
وبعد ملاحظة هاتين اللحظتين في الوعي الأوروبي تمت ملاحظة شيء آخر. فإذا كانت الملاحظة الأولى تتعلق بتطور الوعي الأوروبي، فإن الملاحظة الثانية تتعلق ببنيته. وظهر كل موضوع داخل الوعي الأوروبي في أشكال عديدة. كانت لغة التعبير ومستوى الفهم هما اللذان يحددان الشكل الذي يظهر الموضوع من خلاله. مثلا تعبر الألفاظ الثلاثة: الفضل الإلهي، الحرية الإنسانية، اللاتحدد في قوانين الطبيعة؛ عن نفس الشيء على ثلاثة مستويات مختلفة. الفضل الإلهي مفهوم ديني، ويظهر أحيانا في الحرية الإنسانية، وهو مفهوم فلسفي، وأحيانا ثالثة في اللاتحدد في قوانين الطبيعة في ميدان العلم.
30
فكل مفهوم فلسفي أو علمي له مصادره في المفاهيم الدينية؛ فالدين مصدر الفلسفة والعلم؛ ومن ثم كان من اللازم اختيار مشكلة دينية للمقارنة بين هاتين اللحظتين في الوعي الأوروبي. وبحثا عن أقصى درجة ممكنة من الدقة، كان من اللازم اختيار مثلين، عقلاني لفلسفة التنوير، ووجودي لفلسفة الوجود. وكان هذا هو السبب في تسميته الخطة الأولى «الدين العقلي والدين الوجودي عند كانط وكيركجارد».
وبعد الوعي بظاهرة «الوعي الأوروبي» في مجموعها ظهرت لحظة ثالثة؛ فقد أتت فلسفة الوجود بعد فلسفة التنوير، وكانت فلسفة التنوير قد أتت بعد فلسفة الطبيعة.
31
كان لزاما إذن مقارنة ليس فقط لحظتين في الوعي الأوروبي، والتي تمت ملاحظتهما، بل أيضا ثلاث مراحل لتطوره، والتي تمت ملاحظتها بعد ذلك. وعلاوة على ذلك ساعد تحليل فلسفة الطبيعة على اكتشاف مصادر الوعي الأوروبي: (أ)
المصدر اليهودي المسيحي بعد قرن الإنجيل بالتوراة.
32 (ب)
المصدر اليوناني الروماني بعد أن ورثت الحضارة الرومانية الحضارة اليونانية. (ج)
البيئة الأوروبية ذاتها والظروف التاريخية لأوروبا.
وهكذا اكتمل تقريبا مخطط بناء الوعي الأوروبي وتطوره: فلسفة الوجود، فلسفة التنوير، فلسفة الطبيعة؛ ومصادرها الثلاثة: اليهودي المسيحي، واليوناني الروماني، والبيئة الأوروبية فيما يتعلق بالتطور. والدين والفلسفة والعلم ثلاثة أشكال لنفس الشيء فيما يتعلق بالبنية.
33
وتؤسس كل حضارة رؤيتها إما على الوحي أو على الأمة أو عليهما معا.
34
ويتوجه نقد الحضارة في الحالة الأولى إلى تصور العالم، في حين يتوجه نقد الحضارة في الحالة الثانية إلى القوى المادية. أما نقد الحضارة الذي يقوم على الاثنين معا فإنه يتوجه أيضا نحو تصورات العالم والقوى المادية في آن واحد. وبتعبير آخر هناك نوعان من الحضارة؛ حضارة مركزية تدور حول تجربة ومصدر، وهو الوحي، وحضارة طردية تدور حول نفسها خارج الوحي.
35
وكانت الحضارة الأوروبية حضارة مركزية لها مصدر وتجربة في المصدر اليهودي الروماني، ثم أصبحت حضارة طردية في العصور الحديثة عندما حدث رد فعل على المركز بقوة دفع خارجة نحو العقل والطبيعة والإنسان والمجتمع والتاريخ، في حين أن الحضارة اليهودية والحضارة الإسلامية ما زالت كل منهما حضارة مركزية تدور حول مصدر وتجربة كنواة أولى لم يحدث رد فعل عليه بعد. وحركات الإصلاح هي إعادة تفسير للنواة وليس استبعادا لها.
وبعد دراسة المشكلة الدينية لتحليل تحولها الفلسفي والعلمي، مشكلة البنية، ظهر الوعي الفردي باعتباره محل هذا التحول. وكان التطور يتعلق بالوعي الجمعي، الحضارة، والبنية تتعلق بالوعي الفردي تجاه المشكلة الدينية، وبوجه خاص بالنص المقدس؛ مما أدى في النهاية إلى مشكلة التأويل.
36
| الباب الأول: المنهج الظاهرياتي (ملاحظات أولية)
| الفصل الأول: اللغة، والقواعد، والحركة1
| أولا: لغة الظاهريات1
يحتاج المنهج الظاهرياتي في مرحلته الراهنة إلى بعض التعديلات فيما يتعلق بلغة الظاهريات، وقواعد المنهج، واكتمال النظرة للعالم التي يرتبط بها هذا المنهج.