6
وفي كل هذه الاتجاهات لم تطبق الظاهريات كمنهج، بل دفعت إلى أقصى مداها، وأصبحت أنطولوجيا ظاهراتية، واسعة للغاية بحيث امتدت جذورها إلى الفلسفة وعلم النفس والأنطولوجيا النقدية.
7
وقد تحددت بوضوح العلاقة بين الظاهريات والأنطولوجيا في الجزء الثالث من «الأفكار»،
8
تظهر الأنطولوجيا داخل الشعور كما يبين ذلك «أصل العالم»، الأنطولوجيا ممكنة عن طريق تطبيق قاعدتي المنهج الظاهرياتي؛ الرد والتكوين، ثم تضمن الأنطولوجيا موضوعية التصور الذي يشير ليس فقط إلى مقولات فارغة، بل إلى مناطق للشعور، وقد سميت هذه الأنطولوجيا من قبل أنطولوجيا المناطق، وأول ظهور لأنطولوجيا الشعور هو مضمون الشعور ومضمون الماهية.
9
مضمون الشعور هو الموضوع الحي في الشعور، ضد الاتجاه الطبيعي. والماهية حقيقة موضوعية لها وجودها الفعلي، وليس فقط المثالي كما هو الحال في «نظرية المثل»، وبتعبير آخر، هناك ثلاثة أنواع من الأنطولوجيا؛ الأول الأنطولوجيا المادية، وهي أنطولوجيا الموضوعات الخارجية التي لم توضع بعد بين قوسين، والثاني الأنطولوجيا «الهيولانية» التي يتم الحصول عليها بعد وضع الأنطولوجيا الأولى بين قوسين، والثالث الأنطولوجيا الصورية التي تضمن موضوعية الأشياء باستقلالها الذاتي وشمولها. هذه الأنطولوجيا الثالثة هي الضامن لصدق المعطي الحي، بل وتستطيع تصحيح أخطاء الإدراك الحسي وتقويمه.
والأنطولوجيا هي تقريبا اسم مرادف للرياضيات الشاملة التي تم البحث عنها بإصرار.
10
والأنطولوجيا الترنسندنتالية التي تطورت على نحو نسق كامل هي في نفس الوقت أنطولوجيا أصيلة وشاملة، وليست أنطولوجيا صورية فارغة، أنطولوجيا شاملة عيانية تتضمن كل إمكانيات مناطق الوجود طبق علاقات التضايف التي تتضمنها.
11
أنطولوجيا المناطق أنطولوجيا نظرية، وما زالت تبحث عن إقامة نظرية في المعرفة.
12
لقد أعطت الظاهريات إمكانية تأسيس الأنطولوجيا عن طريق اكتشاف أنطولوجيا المناطق في الشعور، والأنطولوجيا كعلم شامل للوجود، وقد قامت أنواع الأنطولوجيا التي خرجت من الظاهريات على أسس وجدانية وشعرية ومعرفية،
13
هي الأنطولوجيا المستمدة من الظاهريات، والتي وجدت فيها الظاهريات اكتمالها، وتنهي كل أنواع الأنطولوجيا التي تقوم على أسس فلسفية ونفسية أو على تأملات شخصية إلى أنطولوجيا واحدة، والأنطولوجيا العيانية.
الأنطولوجيا العيانية هي التي تكشف ماهيات الوجود ابتداء من الخبرات الحية للوجود الإنساني،
14
هي العلم الإنساني الوحيد الممكن للوجود الإنساني؛ فالظاهرة الإنسانية، النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية ... إلخ، خبرة حية للوجود الإنساني، ولها مستواها الخاص في التحليل، لا تخضع لا للمصادرات الصورية ولا للقوانين الطبيعية، لها منطقها الخاص في الأنطولوجيا العيانية.
وربما لم يكن لفظ «الظاهريات» أفضل تسمية تطلق على العلم الذي تشير إليه؛ فاللفظ يحيل إلى الظاهر، وقد شعرت الظاهريات الأنطولوجية بهذا التطابق بين الاسم والشيء المشار إليه، والتأكيد على أن الظاهرة ليس مظهرا بل ظهور بفضل المعنى الاشتقاقي لفعل «ظهر » ومنه «ظاهرة». الأنطولوجيا هي إذن المعنى النهائي للظاهريات، والتحليل الوجودي للكيان الإنساني هو حتما أنطولوجيا، ولكنها ليست أنطولوجيا عيانية؛ إذ تستطيع خبرات الحياة اليومية إثبات نقيضها أو تفسير الخبرات التي تم تحليلها تفسيرا آخر، الأنطولوجيا العيانية هي التي يتم تأسيسها في هذا العمل.
وقد وجدت الأنطولوجيا الظاهراتية، أو بتعبير أكثر دقة الأنطولوجيا الوجودية، بفضل عدد من القراءات المتعددة، ومن أجل أن تظهر كفلسفة فقد تأسست على بعض عبارات مستعارة من الفلسفة الرسمية، وهي تكون الآن فلسفة خاصة بعد نسيان نقطة البداية في الظاهريات النظرية، وقد تم رد المنهج الظاهرياتي إلى محوره الرئيسي، التحليل النظري للخبرات اليومية، وقبل تحليل الخبرة توضع الأشياء المادية بين قوسين، ثم يرفع القوسان بسرعة من أجل إصدار أحكام على الوجود، دلالة الخبرة شيء، والحكم الصادر على الوجود شيء آخر، والخبرات موضوع التحليل من نوع واحد، وهي الخبرات السلبية؛ الموت، العدم، النفي، الكذب، سوء النية، الثرثرة، الانهيار، الاضطراب النفسي، الهم، القلق، الحصر ... إلخ. أما خبرات الفرح والسعادة والأمل والإخلاص والتضحية ... إلخ، فلا وجود لها تقريبا، وأحيانا يتم تحليلها من أجل التوجه نحو العدم، الرغبة عن طريق الاشمئزاز، والمحبة بالكراهية ... إلخ. ويمكن لتحليل الخبرات السلبية أن ينتهي أيضا إلى الوجود وليس إلى العدم، من الموت إلى الخلود، ومن الهم إلى الفعل، ومن الضيق إلى الخلق ... إلخ. (1) الأنطولوجيا الشعرية