62
لذلك فإن تصوره للقبلي ليس له قيمة كبيرة. الظاهريات وحدها يمكنها أن تقدم نظرية في الشعور بوجه عام، نظرية في مضمون الشعور، وتكوين الموضوعات ... إلخ.
63
في المنطق الفلسفي يظل القبلي في صفات الإحساسات الحالة؛ لذلك يظل منطق صورة الشعور ومضمونه منطقا غامضا.
64
وفي المنطق الفلسفي إذا كانت الرياضيات فرعا من المنطق والنزعة النفسية تسود المنطق، فإن الرياضيات نفسها تصبح فرعا من علم النفس.
65
وتظهر تعبيرات المنطق الفلسفي من جديد في الظاهريات،
66
وتستعمل على مستوى صوري،
67
وتؤخذ أيضا تعريفاتها للفلسفة كمادة للتحليل.
68
وهكذا كانت فلسفة الحياة وعلم النفس الوصفي والمنطق الرياضي والمنطق الفلسفي، وهي مصادر الظاهريات، علوما تطبيقية حول نقاط معينة في العلوم الإنسانية. الظاهريات نفسها تعاود استئناف مشاريعها. (2) البيئة الفلسفية
69
ساهمت البيئة الفلسفية التي نشأت الظاهريات فيها في تكوينها دون القدرة على الفصل بين الظاهريات النظرية والظاهريات المتطورة والظاهريات التطبيقية في نظرية المعرفة. ليست الظاهريات إلا أكثر التيارات الفلسفية إحكاما كمنهج مستقل عن العلوم الفلسفية الأخرى، وتكتمل في الظاهريات كل الإشكالات الرياضية والمنطقية والنفسية والفلسفية لتيارات أخرى معاصرة.
70
كانت كلها بحوثا حول موضوعات معينة في العلوم الإنسانية، وكان لكل علم أزمته يحاول حلها: النزعة الصورية، النزعة النفسية، النزعة الطبيعية، النسبية، الشك ... إلخ. ويسود هذه البيئة الفلسفية تيار مميز هو علم النفس النظري.
71
أما الباقي فهو خليط من علم النفس والمنطق والرياضيات، وهو ما يمكن أن يطلق عليه تعبير الظاهريات الموازية.
72
وتقال بالمعنى العام على مجموع البحوث التي ساهمت في نشأة الظاهريات. ويطلق ثالثا على مجموع البحوث التي طبق فيها المنهج الظاهرياتي بعد اكتماله في ميادين عدة خاصة في العلوم الإنسانية.
73
وهي الظاهريات الموازية في البيئة الفلسفية التي تكونت فيها الظاهريات. (أ) علم النفس النظري
74
تجمع الظاهريات داخلها عدة اتجاهات في علم النفس يمكن تسميتها كلها «علم النفس النظري»؛
75
فقد تحول التمييز في علم النفس النظري بين الوظيفة و«المظهر» إلى تمييز بين «المضمون الأولي» و«الفعل» في الظاهريات، وأخذت كل مصطلحات علم النفس النظري معاني مختلفة في الظاهريات. وإذا كان علم النفس النظري ظاهريات فإنها ظاهريات تحليل مضمون الشعور.
76
وإذا كان لفظ «وظيفة» يعني في علم النفس النظري تكوين الموضوعية بالشعور فإنه يعني فقط لحظة صورة الشعور في التجربة الحية في الظاهريات.
77
ظهر تمييز علم النفس النظري بين «المضامين التابعة» و«المضامين المستقلة» في الظاهريات في التمييز بين «المضامين المجردة» و«المضامين العيانية»، وبين «الدلالات التابعة» و«الدلالات المستقلة».
78
وبحوثه في عدم الفصل بين المضامين التابعة وفصل المضامين المستقلة استأنفتها الظاهريات لتحديد معاني هذه المفاهيم ذاتها.
79
ومن ناحية أخرى استأنفت الظاهريات تحليل وقائع «الذوبان» من علم النفس النظري في تحليل نفس الظواهر؛ فالذوبان بالمعنى الدقيق، وهو العلاقة بين الصفات المتزامنة التي تظهر كأجزاء في كل، قد ذهب إلى أبعد مداه وبمعناه الأوسع في التواصل.
80
ولعلم النفس النظري فضله في نقد علم النفس التجريبي من ناحية وفي وضع نظرية في المعرفة مستقلة عن علم النفس من ناحية أخرى.
81
تكمل الظاهريات إذن كل علم نفس بعد نقد علم النفس القائم على النزعة الطبيعية.
82
ويستخدم التمثيل العام كإجراء اقتصاد للفكر، النظريات القديمة والحديثة في نفس الوقت، كأساس للبحوث الظاهراتية حول الوحدة المثالية للأجناس.
83
والخلاصة أن هذا العرض المتنوع للبحوث في البيئة الفلسفية التي نشأت فيها الظاهريات مقصود من أجل بيان تعدد المصادر؛ فقد كان مؤسس الظاهريات يقرأ كل ما تقع عليه يداه، ثم تدخل هذه القراءات في عالم الظاهريات، من المنطق إلى الرياضيات إلى علم النفس إلى الفلسفة. ولا يهم إذا كان الترتيب عكسيا ما دامت كل مساهمة على الأقل قد أعطت مادة علمية تعبر الظاهريات عن نفسها من خلالها. (ب) الظاهريات الموازية