تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

وعلى افتراض أن فلسفة الدين تتعلق بالإشكال الثاني في التأويل، أي التحليل اللغوي من أجل الفهم فأين الإشكال الأول؛ الصحة التاريخية للنص المقدس، موضوع النقد التاريخي؟ وأين الإشكال الثالث؛ التحقيق العملي للنص المقدس بالعمل؟ تتجنب ظاهريات التأويل، في مواجهة ظاهريات الدين في شكل فلسفة للدين، أولا الطابع النظري للمعرفة الدينية وتوجيهها نحو ميدانها الأول؛ أي منطق النص ابتداء من التحليل اللغوي. ثانيا تستعيد النقد التاريخي والتحقيق العملي مع التحليل اللغوي من أجل تكوين المنطق المتكامل للنص؛ وبالتالي منهجية الوحي.

وتهتم ظاهريات الدين بدراسة بعض جوانب الظاهرة الدينية مثل المقدس،

8

ويحدث دائما نفس الشيء. تظل ظاهريات الدين دائما نظرية؛ نظرا لانفصالها عن أساسها في منطق النص. كل ظاهريات للدين تأخذ صورة فلسفية ممكنة، يكفي مد كل نسق فلسفي على الظاهرة الدينية، أو يكفي نقل الظاهرة الدينية إلى مستوى أي نظرية فلسفية، حينئذ ينقل الإشكال الخاص بظاهرة الدين إلى سؤال فلسفي حيث يكون الشيء ونقيضه ممكنين. والحقيقية أن ظاهريات الدين مشكلة مستقلة عن الأنساق الفلسفية، تقوم على منطق محكم للنص المقدس الذي يحتوي على النقد التاريخي والتحليل اللغوي والتحقيق العملي، بل على العكس كل الأنساق الفلسفية نقل عقلي لبعض جوانب الظاهرة الدينية،

9

ولا يمكن حل أزمة فلسفة الدين في النظر بل في العمل. يعني النظر هنا الفلسفة، ويعني العمل المنطق؛ فالواقع أن أزمة فلسفة الدين قد حدثت قبل التأويل بمدة طويلة، وترجع إلى أزمة خاصة بها. ترجع أزمة الفهم إلى أزمة التفسير؛ فكل تفكير ممكن، والعقل قادر عليه، وكل حل نظري يمكن نقضه بآخر، لا يقل ملائمة عن الأول، وهكذا. وعلى العكس يستطيع حل، ابتداء من دراسة عملية وتطبيقية على النص لإيجاد منطقه، أن يكون حلا للأزمة؛ ومن ثم تتم معالجة الأزمة من الأساس أي النص، الصياغة المكتوبة للوحي، موضوع كل فلسفة دين أو كل فلسفة دينية.

10

| ثانيا: الأزمة الحالية للتأويل1

يعيش التأويل في المرحلة الحالية أزمة طاحنة، وهي انقسامه بين النزعتين التاريخية و«الدوجماطيقية»، وتظهر النزعة التاريخية في التأويل في كل البحوث «الأركيولوجية» التي تريد أن تكون كلا واحدا. أصبح التأويل تاريخه خليطا غامضا من الحوادث والأشخاص.

2

والتأويل مستقل عن الحوادث التي تبعث على إثارة مشاكله وعن الأشخاص الذين يعرضونه.

3

للتأويل موضوعه المثالي وهو النص المقدس، أما النزعة التاريخية فإنها تلحق التأويل بالعقائد. النص الصحيح تاريخيا هو الذي يتفق مع العقيدة، ويصح معناه عندما يتفق أيضا مع المعنى الذي تعطيه العقيدة له، ويتبع تحقيقه العملي الحاجات العملية لنشر العقائد. التأويل مجرد وسيلة، والعقيدة غاية. يهدف التأويل العقائدي لبناء الأنساق اللاهوتية، وهو ليس علما محكما ومستقلا، له موضوعه المثالي، ولكنه في خدمة الأنساق القائمة، العقائد أو المؤسسات. وإذا كان التأويل اليوم منقسما بين التأويل التاريخي والتأويل العقائدي، فإنه أيضا يتناثر ويتبعثر في التأويل الفلسفي أو الميتافيزيقي تحت اسم الهرمنيطيقيا. التأويل يجمع بين علم النفس والفلسفة والميتافيزقيا حول النص المقدس، وأخيرا أنطولوجيا الوجود الإنساني. يفقد التأويل باعتباره هرمنيطيقيا طابعه المنطقي العملي، بمعنى المنهجية العملية، من أجل الوقوع في تأملات وأفكار فلسفية وميتافيزيقية. الهرمنيطيقا هي الإشكال الميتافيزيقي للتأويل، والتأويل هو الإشكال المنهجي العملي للهرمنيطيقا. وترجع هشاشة الهرمنيطيقا إلى إلحاقها بالأنساق الفلسفية الأخرى خارجها، واستمدادها منها طابعها كعلم مستقل قائم بذاته.

4

وترجع الأزمة الحالية في البحوث الدينية، والتأويل جزء منها، إلى عدم التطابق بين الميدان الأولى الذي اكتشفه القصد، والميدان الواقعي الذي اكتشفته البحوث؛ فمثلا الدين الطبيعي ميدان اكتشفه القصد. الدين والطبيعة شيء واحد، والشيء الذي انتهى إليه، وهي الطبيعة الشيئية، تشبه نسبيا الطبيعة الفيزيقية أو التاريخ الطبيعي؛ ومن ثم وضع الوحي في مواجهة الطبيعة وكأنه خارج عنها؛ ومن ثم أصبح الدين الطبيعي موضع النقد ورفض كدين يرفض الوحي. وعلى العكس، الوحي والطبيعة شيء واحد، ينبثق الوحي من داخل الطبيعة، والوحي فيض من الطبيعة، وميلها نحو الازدهار والتفتح والكمال، ويتضمن الدين الطبيعي كقصد خير وغياب الطائفية، خلطا بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الفيزيقية. الدين طبيعي لأنه يثبت كل مكونات الطبيعة الإنسانية ومتطلباتها دون إنكار أي منها. يكون طبيعيا عندما يلبي حاجة كل جانب في الوجود الإنساني؛ البدن، والنفس، والروح، والعقل، والذهن، والموقف، والعقبة ... إلخ. ولا يكون طبيعيا عندما ينفي أو يعارض البدن؛ كي تسود النفس، أو عندما يقلل من شأن الروح حتى يسود البدن، ولا يكون طبيعيا أيضا عندما ينفي العقل لصالح الوحي، أو ينفي الوحي لصالح العقل، ولا يكون طبيعيا عندما يثبت الموقف الواقعي للوجود الإنساني كوجود في العالم. وفي المقابل لا تعرف الطبيعة الفيزيقية دون عملية مستمرة لتحويلها إلى طبيعة إنسانية؛ فهي معتمدة على الطبيعة الإنسانية، وليس لها بنية إلا مجازا، ولا توجد إلا صورة. الطبيعة في الدين الطبيعي هي إذن الطبيعة الإنسانية، وليست الطبيعة الفيزيقية أو الطبيعة فقط نظرا لوضع الطبيعة الفيزيقية بين قوسين؛ ومن ثم تحتوي البحوث الحالية في الدين الطبيعي على خطأين؛ الأول الفصل بين الطبيعة والوحي، والثاني الخلط بين الطبيعة الفيزيقية والطبيعة الإنسانية، كما يحتوي الدين الوضعي أيضا على خلط بين معنيين متمايزين للفظ «وضعي»؛ هما «تاريخي» و«واقعي»؛ فالدين الطبيعي ليس بالضرورة دينا تاريخيا؛ فالتاريخ بين قوسين، والدين له موضوعه المثالي المستقل عن الحوادث، والمؤسسات، والأشخاص. ولا يضيف التاريخ شيئا إلى الدين؛ هو مجرد ميدان تجليات المعطى الديني في اللاهوت والفلسفة والتصوف والفقه؛ أي باختصار في الحضارة. ليس الدين الوضعي إذن دينا تاريخيا، بل هو دين له معطى يتضمن الواقع داخل الوحي، ويتجلى الواقع في إثبات العالم؛ فالوجود الإنساني وجود في العالم، والوضع الفريد لكل فرد داخل القانون العام للجميع، ويتجلى الواقع في العمل، والعقبات، والمباحات، العيان في الدين الوضعي هو عيان الحياة.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تأويل الظاهريات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدينص ١٩٩