20
وأحيانا تتداخل التمييزات مع بعضها البعض بحيث يصعب التمييز بينها؛ فالتمييز بين المنطقة ونظرية المنطقة سهل؛ الأولى نوع مادي أسمى للموضوعات، والأخرى العلم المقابل في أنطولوجيا المناطق.
21
بعد ذلك يأتي تمييز آخر بين منطقة ومقولة، تصنف المناطق في المقولات، ثم تقسم كل من المنطقة والمقولة إلى صورية ومادية، وبعد ذلك تدخل المنطقة المادية في علاقة مع الماهية الصورية، وتحيل الماهية الصورية إلى الماهية المادية. وبعد ذلك تنقسم مقولة المنطقة المنطقية إلى تركيبية وتحليلية، وتحيل المقولات المنطقية إلى مقولات الدلالة، وتحيل الدلالة إلى تعبير مما يؤدي إلى التمييز بين تصورات المقولات وماهيات المقولات، وأخيرا يتم التمييز بين المقولات التركيبية والمقولات الحاملة،
22
فكيف يمكن العثور إذن على بنية الشعور في هذه المتاهة من التقسيمات؟
23
وهكذا يعمل المنهج الظاهرياتي بإقامة تمييزات أساسية، وتولد هذه التمييزات تمييزات أخرى عديدة إلى ما لا نهاية تقريبا، وتذكر كل هذه التمييزات الفرعية مستحيل تقريبا، يكفي إذن إدراك القاعدة التي تقوم عليها هذه التمييزات، وهذه القاعدة هي باستمرار الصورة والمادة، المستقل والتابع، المثال والواقع ... إلخ، بل ويمكن التعبير عن القصد العام لهذه التمييزات بألفاظ أخرى مثل: غير مشروط ومشروط، مطلق ونسبي ... إلخ؛ ومن ثم يتطلب تأويل الظاهريات إحالة التمييزات الفرعية إلى التمييزات الأساسية من ناحية، والتعبير عن مقصد هذه التمييزات بألفاظ أخرى ملائمة تساعد على إيضاح ميادين أخرى في الظاهريات التطبيقية من ناحية أخرى، ولا يقع منطق التمييز فقط بين مستويين مختلطين حتى الآن، مثل الواقعة والماهية، بل يقع أيضا لإبراز علاقة الكل بالأجزاء، المركز بالمحيط، البذرة بالقشرة ... إلخ،
24
وهكذا تتميز المنطقة عن المقولة، المنطقة كل ينتمي إلى أنطولوجيا المناطق تحدده عديد من المقولات،
25
تقوم إذن التمييزات في كل الاتجاهات المختلفة.
ليس غرض التمييزات الفصل بين الفكر والوجود بل بين الفكر واللغة؛ فالواقع أن عديدا من هذه التمييزات تمييزات نحوية أكثر منها تصورية؛ فالتمييز بين المقولات التحليلية والمقولات التركيبية تمييز نحوي،
26
ويمكن أن يحدث التمييز في نفس المستوى لإعطائه أكبر قدر ممكن من العمومية، وبتعبير آخر للمستويات التي يتم التمييز بينها علاقة الجنس بالأنواع، توجد الأنطولوجيا الشاملة كعلم صوري في أعلى قمة، في حين يوجد علم الطبيعة في أسفل قاعدة، التمييز إذن هو المحرك الداخلي الذي يدفع المنهج الظاهرياتي إلى غايته القصوى.
وإذا كانت هذه التمييزات ما زالت مشوبة بالاشتباهات في هذه الحالة تأتي إنارات أخرى للمساعدة على إجراء تمييز آخر؛ فإذا كان التمييز بين لفظ الدلالة وغياب الدلالة ما زال متشابها، فإن التمييز بين خطأ الموضوع وغياب الدلالة يجعل الدلالة الأولى أكثر وضوحا! ويستطيع تمييز آخر بين الدلالة واللحن أن يزيل نفس الاشتباه،
27
وبتطبيق منهج التمييز يمكن إيضاح كل الاشتباهات حول ألفاظ التمثيل والمضمون.
28
واشتباهات لفظ «ظاهرة» سبب الخلط بين الظاهرة الداخلية والظاهرة الخارجية؛
29
لذلك يتم التحليل الظاهرياتي تدريجيا، ليس «الرد» إلا مرحلة نحو «التكوين»، وتستبعد كل مسألة مؤقتا حتى يمكن استردادها فيما بعد، كان من الضروري مؤقتا استبعاد المشاكل المحافظة على أهمية المعرفة الترنسندنتالية؛
30
لذلك أيضا تستعيد الظاهريات ذاتها كل مرة تتقدم خطوة إلى الأمام، وبنظرة إلى الوراء يلقى كل تحليل جديد ضوءا جديدا على ما تم إنجازه حتى الآن، وإذا ألقيت نظرة إلى الوراء من وقت إلى آخر فإن إلقاء نظرة إلى الأمام تشير إلى المهام المستقبلية،