85
ولا تغيب الثقافة الفارسية، لغة ومصنفات؛ إذ تحضر بعض المصطلحات الفارسية والمصنفات الفارسية في الرسائل نظرا لارتباط التشيع بها، وتذكر كليلة ودمنة، وبرزويه الطبيب استشهادا على أن العمل في الطبيعة لله، وأن الدنيا للآخرة في إطار التصور العام للموروث، فكما يزرع الزارع ويحصد، رغب أم لم يرغب كذلك يعمل العامل صالحا رغب في الجزاء أم لم يرغب.
86
وتتحول الأخبار إلى تاريخ، ويذكر الإسلام كعنوان عام للتاريخ الإسلامي، دخول الإسلام طوعا أو كرها مع أنه
لا إكراه في الدين . ويتصدر علي بن أبي طالب التاريخ الإسلامي باعتباره مصدرا للعلم؛ إشارة إلى الأقلية عددا الأعظم قدرا، الحريصين على العلم، الباحثين عن اليقين. وهم الذين خلوا للأبد من دار الرداء، من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى البرزخ، ومن البرزخ إلى الجنة النار.
87
ويبدأ التاريخ من أول النبي ودعوة الرسول آل بيته أولا، زوجه خديجة، ثم ابن عمه عليا ثم صديقه أبا بكر ثم مالكا وأبا ذر وصهيبا وبلالا وسلمان وحييرا وبشارا حتى أصبحوا تسعة وثلاثين رجلا وامرأة. ثم دعا أن يعز الله الإسلام بأحد رجلين أبي جهل أو عمر. فأسلم عمر وأصبحوا أربعين. فأصبحت الدعوة علنية بداية بتأسيس الحزب الثوري تاريخيا، الجيل القرآني الفريد بلغة المعاصرين، كان أبو جهل قويا مثل عمر لكن في الشر، والاستجابة لعمر تضع قضية الصلاح والأصلح. والاكتمال إلى الأربعين رمز موسى. هاجر الرسول من مكة إلى المدينة. وتعرض المشركون من أهل مكة إلى المؤمنين المهاجرين الضعفاء بالأذى. وإخوان الصفا ما هم الاستمرار لجماعة المضطهدين الأوائل. وفي غزوة بدر طالب المشركون المبارزة فخرج إليهم حمزة عمه وعلي وأبو عبيدة. ويوم أحد اشتد الأمر وهزم الناس. وبقي في نفر يسير. ولما قتل خيار أنصاره وفضلاء المهاجرين وكسرت رايته طلب منه الدعاء على المشركين فرفض، وخرجت إحدى نساء المدينة للتعرف على زوجها ثم أبيها ثم أخيها. وقد استشهد الكل وفي بقاء الرسول عوض عنهم. فالمهم الشخص الرمز، القائد والبطل. فالزعامة له والقيادة للأقلية. وقد خدع كل من الحكمين صاحبه يوم صفين. ولم يرد كلاهما إصلاحا، بل أضمرا الحيلة فلم يوفقا في الصلح. ورجع علي غير راض بذلك. فالخداع في التاريخ. وقد أثر ذلك في التربية والرغبة في الثأر. وقد وصفه الرسول بأنه أبو هذه الأمة، ويحول الإخوان كل ذلك من الجهاد الفعلي إلى جهاد النفس لخلاص البدن، وتأكيد الأبوة النفسية للرسول ولعمر ولعلي. وكان ذلك كله بفعل المسلمين وليس قضاء وقدرا. سلم المسلمون أجسادهم يوم كربلاء راضين. ويفسر الإخوان التاريخ الإسلامي الأول باعتباره تاريخ فتوحات للنفس وخلاص لها من البدن. فقد قتل عثمان بالرغم من رغبة عبيده الدفاع عنه. فقد بشره الرسول بأنه ولي هذه الأمة بعد عمر ووعده بالبلوى وبإراقة الدم. ورفض عثمان ذلك ووعد من كف عن القتال بالحرية رفضا للعنف بالرغم من أفعاله التي كانت أحد أسباب الثورة عليه، وأخذ المصحف في حجره وقرأ في
فسيكفيكهم الله . ورضي بقضاء الله وعلمه، واستسلم للمقادير بنفس راضية. وحدث نفس الشيء يوم كربلاء عندما اشتد بالحسين العطش واشترط لإعطاء الماء النزول على حكم ابن زياد فرفض إلا حكم الله، وعلم أنه مقتول فقاتل، وقتل راضيا بقضاء الله والمقادير طيب النفس، وحلم رجل بالعراق أنه في بلاد الروم في كنيسة مشتعلة بالقناديل دليل على تحرر النفس من الجسد وحث الملاك له بالسريانية ليكون عظة على تحرر الإنسان من جسده ومكانه وقيود الشريعة. وواضح أن الإخوان يفسرون التاريخ منذ هابيل وسقراط والسحرة والمسيح وأحد والحسين بالرضا بالقضاء والقدر وليس الاستشهاد الحر والمقاومة. وقد ساعد الرسول أهله على إخراج الامتداد من نفوسهم. وأبلغ بذلك عليا بغدير قم، وهو أحق الناس بعد غيبة صاحب الشريعة وبعد قتل صديقه ذي النورين والأئمة من بعده بعد الحزن على ما ضاع من بيت النبوة وقتل الحسين بكربلاء والشهداء، وواضح من هذا كله أن فكر الإخوان هو بلورة للفكر الشيعي الذي يعبر عن فكر المضطهدين، وإعادة تفسير هزيمة البدن بأنها نصر للروح، وأن تاريخ الرسول مع معارضيه مثل أبي جهل هو تاريخ للحسد. وقد وقع الخلاف في الشريعة بعد وفاة الرسول طلبا للرياسة والمنزلة حتى استشهاد الحسين. ويستشهد الإخوان بأقوال رئيس قريش أمام كسرى عن حالهم «البر بالصغير حتى يكبر، وبالعليل حتى يبرأ، وبالغائب حتى يرجع»، ورفض الرسول موالاة آلهة الكفار وأقوال الحسين ضد أئمة السوء الذين جلسوا على باب الجنة فلا يعملون حتى يدخلوها ولا تركوا غيرهم يدخلها. يراجع الإخوان التاريخ السياسي منذ وفاة الرسول، ويعتبرون أنفسهم استئنافا لأئمة آل البيت والمستبعدين من الحكم والمضطهدين من الحكام، كما عبر عن ذلك الشيعة في العقائد والإخوان في الفلسفة.