تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

82

ويضرب المثل بالشعر العربي على الكمال الإلهي للواحد القهار العزيز الغفار الشديد العقاب ويخص بالذكر أمثلة من الفيطوري الميمون المبارك في تسبيحه والهزاردستان اللغوي الكثير الألحان في غنائياته. وتتفاوت هذه الأشعار بين ما هو معروف مثل وصف امرؤ القيس لجواده في القتال وما كان معروفا في عصره وأصبح أقل شهرة عبر التاريخ. وقد يكون الشعر منسوبا إلى صاحبه وقد يكون غير ذلك من وضع شاعر أو ربما من وضع الإخوان. ويستشهد بالشعر في عدة مقاطع متتالية في وعظ بني آدم وتذكيرهم بملوكهم الماضية والأمم السالفة واعتبار ما هو أبقى كما يفعل الصوفية. ويضرب المثل بأبيات شعرية عديدة ضد الاستغراق في شهوات الدنيا ونسيان الآخرة، وتحذيرا من الوقوع في الظنون والشك والحيرة جزاء لهم على تركهم وصية الله ووحي الأنبياء واتباع العلماء والحكماء فيما يدعون إليه ويرغبون فيه من نعيم الآخرة ويأمرونهم به من الزهد في الدنيا والنهي عن الغدر بشهواتها. ويستشهد بالشعر على أن تحقيق الوعد وخلاف الوعيد كرم وصفة رحمة وإشفاق وسماحة وإنعام. وهي من الخصال الحميدة التي تليق بفضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه. بل يظهر الشعر في الأحلام بالسريانية والعربية. وينقد الإخوان تجربة انتظار الخلاص على يد المهدي مع التمني بالمجيء والاستعجال للظهور ثم يموت المنتظر حسرة إذا لم يظهر الإمام ولم يعرفه. فالخلاص عن طريق النفس وليس عن طريق الإمام انقلابا للتشيع من الخارج إلى الداخل. ومهما تغيرت الأجسام فإن النفوس لا تتبدل، وتظل النفس في رؤيتها ومشاهدتها بعين الحقيقة وهي ألا ترى أحدا في الدارين غير الله. كما ينقد الإخوان من يقول من الشيعة إن الأئمة يسمعون النداء ويجيبون الدعاء، وينقدون من يقول باختفاء الإمام المنتظر خوفا من المخالفين مع أنه ظاهر بين أيديهم يعرفهم وهم له منكرون كما قال الشعراء.

83

وبالإضافة إلى اللغة العربية والشعر العربي تبرز العلوم النقلية أكثر مما تبرز العلوم العقلية النقلية. فلا يحيل الإخوان إلى فلاسفة الإسلام السابقين عليهم الكندي، والرازي، خاصة وأن الرسائل تعبر عن صورة الفلسفة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري بعد عصر الترجمة. والفارابي تال لهم. ربما لأنهم يعبرون عن الثقافة الفلسفية الشعبية وليست الثقافة النخبوية التي يمثلها الفلاسفة، تجمع بين الدين والفلسفة، العقل والخرافة، العلم والأسطورة، باستثناء ذكرهم الرياضي واحد هو الكبال الذي شغف بحساب المتسعات. لذلك يقترن الحكماء بالفقهاء، والوافد بالموروث النقلي. بل إنهم يردون على علماء الزمان الناظرين في علوم النجوم، الشاكين في أمر الآخرة، المتميزين في أحكام الدين، الجاهلين بأسرار النبوات، المنكرين للبعث والحساب لإثبات صحة أمور إلهية من صناعتهم والاحتجاج عليهم بعلومهم لإفهامهم ذلك بلغتهم. فالإخوان يمثلون حركة إيمانية، رد فعل إلى الداخل، حنبلية صوفية، شعبية خرافية. ولكنهم يخاطبون الخصوم بلغتهم رد فعل على العصر. يمثلون تيارا في الفنون الشعبية والموسيقى والألحان في الأفراح والأعراس والولائم السائدة في زمانهم.

84

ولكن العلم الموروث بالأصالة هو علم الرواية والأخبار، بدايات علم التاريخ. إذا كانت الأخبار غير متواترة قبل سمع الخبر أو في الأثر لعدم الجزم بصحة الرواية ونقل الحديث معنويا إذا كان مشكوكا في صحته التاريخية. يأتي العلم عن طريق الرواية والحكاية مثل الحديث عن التنجيم والمنجمين مع المأمون وأحد المتنبئين الذي قرأ الطالع؛ حيث وقعت الشمس والقمر في دقيقة واحدة في الصحن، وخاتم يضحك من يلبسه لعلاج الطلسمات. فالتاريخ المحلي ليس فقط تاريخ الصحابة بل تاريخ السحر، حكاية من المأمون في صيغة رواية من علم الحديث، وخطورة السحر في التنبؤ في حين أن لا يعلم الغيب إلا الله. وشرط العلم شيوعه وبرهانه وعموميته والسحر ليس كذلك. وقوانين الطبيعة والجهل ليس علما. وهي نفس أسطورة الخاتم لمقابلة أسطورة أفلاطون. ويستمر الاستشهاد بالتاريخ من الأمويين إلى العباسيين الذين خطبوا على المنابر وطالبوا بثأر الحسين وطرد البغاة من بني مروان حتى ظهور المهدي المنتظر من آل محمد، وأولاد العباس رمز للاضطهاد. ويهاجم الإخوان جماعة جعلت التشريع والعلوية ستارا لهم لارتكاب كل محظور وترك كل مأمور، وهم ينتسبون إلى التشيع بأجسادهم لا بأرواحهم، ولا يعرفون من القرآن إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه. لا يدرون الفقه ولا الشريعة، بعيدون عن أدلة الملة والشيعة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٩٥