36
ويأتي أرسطو في المرتبة الرابعة، أرسطو المنطقي، الطبيعي، الإلهي الإشراقي. ليس له آية أولوية على باقي حكماء اليونان مثل الفيثاغوريين والمجسطي؛ أي الرياضة والفلك. يقدر الإخوان أعماله المنطقية كمقدمات للبرهان، المقولات والعبارة والتحليلات الأولى بألفاظها المعربة ثم البرهان إلى القياس الصحيح، ليس فقط في الأمور النظرية، بل أيضا في الأمور العملية، ثم غياب البرهان في الجدل الذي مارسه الناس ضد منطق أرسطو وتلاميذه وكأن التاريخ يسير بطبيعته من الأفضل على الأقل فضلا بفعل الحسد وكما هو الحال في تصور التاريخ عند الأشاعرة. ومن ثم يتحول المنطق من مجرد قواعد صورية إلى موازين للحق العملي وإلى مسار في التاريخ. يتوقف أهواء البشر. والمنطق وصية من الأستاذ إلى التلاميذ يحميهم من الوقوع في الخطأ. وهناك أيضا أرسطو الطبيعي في حديثه عن العناصر الأربعة التي يتكون منها الكون، وجعل جسد الشمس رأس كل جسد ومنازل القمر. أما أرسطو الميتافيزيقي فهو الذي يبدأ بالنفس وصفاتها وتخليها عن شوائب الحس وتخليصها من البدن اعتمادا على أثولوجيا من أجل «أسلمة» أرسطو وتمثل الوافد داخل الموروث. وهو الحكيم الفاضل الذي قال إن النفس عالمة بالقوة. فإذا فكرت في ذاتها أصبحت عالمة بالفعل عند حكيم اليونانيين. كما إن الإنسان يصم ويعمى عن عيوب نفسه لأنها أحب الأشياء إليه. وعند صاحب المنطق إن الفيلسوف يجازي بفلسفته بعد مفارقة النفس البدن كما صرح بذلك عندما حضرته الميتة أشبه بليلة سقراط الأخيرة وطبقا لكتاب التفاحة المنحول، والتقرب إلى الله، وأهم من ذلك كله أرسطو العاقل الموحد بالله الذي يعرف الأوامر والنواهي بطريق العقل أو بطريق السمع حيث تكمل النفس بفضائل الملائكة وتتشبه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية. بل إن النبي ذكر أرسطو في الحديث بأنه لو كان حيا لاتبعه حين ذكر في مجلسه مع أن أرسطو لم يعرف إلا منذ عصر الترجمة بعد ذلك بقرنين من الزمان، ولكنها الحضارة التي تبني النموذج وليست التي تؤرخ له.
37
ويظهر سقراط نموذجا للحكيم الذي يؤمن بخلود النفس وبقائها بعد البدن؛ ومن ثم فلا خوف من الموت. وقد سار في ذلك أرسطو أيضا عندما نزل به الموت وحزن عليه تلاميذه فكتب وصيته في رسالة التفاحة أسوة بحوار سقراط مع تلاميذه في محاورة فيدون. فالانتحال إبداع حضاري لإكمال النقص، فأرسطو تلميذ سقراط ومقلد له. والإيمان بالقانون وبحكم القانون حتى ولو كان ظالما. فذاك من علامات الإيمان بالقضاء والقدر. وسقراط من زمرة الشهداء في تاريخ الإنسانية مثل هابيل الذي قتله قابيل، والمسيح الذي قتله اليهود، وموسى الذي أراد فرعون هلاكه، والمسلمين يوم أحد. وأحيانا يروى عن سقراط ما لا يتفق مع موقفه كفيلسوف مثل وصيته عند موته بذبح ديك في الهيكل وفاء بنذر له. فالوفاء بالنذر قراءة حضارية من الموروث للوافد.
38
ويذكر المجسطي أكثر من بطليموس لأهمية العلم على العالم، والفكر على الشخص. ويضع الإخوان آراءهم في الفلك ثم يقارنونها بالمجسطي لبطليموس ربطا للحقيقة بنشأتها، والبنية بتاريخها والحاضر بالماضي، يعطي الإخوان المبادئ العامة، ويحيلون التفصيلات إلى المجسطي. ويتحققون من صدق آرائهم وذهاب الشكوك عنها عن طريق المجسطي. ويتبين في المجسطي حركات الأفلاك حول المركز ببراهين هندسية. أما حركات الكواكب السيارة فقد بينها الإخوان في رسالة «السماء والعالم»، وشرح ذلك في المجسطي، ويثبت المجسطي أن الكواكب أكريات مستديرات بقياس هندسي، ويتفق الحكماء معه في أن سبب الحرارة دوران الشمس فوق الأرض من ناحية الشمال ستة أشهر في الصيف. كما أثبت المجسطي أن حركات الأفلاك والكواكب أسرع ببراهين هندسية ضرورية. ويعتمد المجسطي على كتاب إقليدس؛ فالهندسة أساس الفلك. ويذكر بطليموس مع من سبقوه ولحقوه في التراث العلمي.