171
كما تدخل المتواترات كمادة للأقيسة في منطق «النجاة» مع المخيلات، والمحسوسات، والمجريات والأوليات، والمقدمات الفطرية، والقياسات، والوهميات، والمشهورات المطلقة، والمشهورات المحدودة، والمسلمات، والمشبهات، والمقبولات، والمشهورات في بادئ الرأي غير المتعقب، والمظنونات. ويعتمد البرهان على الأوليات والتجريبيات والمتواترات والمحسوسات أي بداهات الحس والعقل والتواتر. أما الذائعات والمقبولات والمظنونات فلا تعطي إلا الظن. لا يتعلق اليقين والظن إذن بصورة الفكر وحدها، بل بمادة الفكر أيضا. المتواترات موضوعات حسية غير مشاهدة دون أن تكون غيبية مما يتفق مع أحد شروط التواتر الأربعة عند الأصوليين وهو الاتفاق مع الحس، وهي مادة مشابهة لنظرية العلم في أصول الدين. وتعني المتواترات المعرفة التاريخية العامة التي يستحيل معها التواطؤ على الكذب مثل وجود البلدان والأمصار خارج نطاق المشاهدة وليس بالضرورة الوحي. بل إن الأمور الشرعية قد تدخل في المقبولات. وهي آراء وقع التصديق بها للثقة بصدق الراوي أو لأمر سماوي أو لرأي وفكر قوي مثل قبول ما نقل عن أئمة الشرائع. فالتصديق إما للثقة بالراوي أو بالنبي أو بالفيلسوف، صدق الراوي ووحي النبي وحكمة الفيلسوف.
172
وتدخل المتواترات في «الإشارات والتنبيهات» في نظرية عامة لمادة القياس. فمواد القضايا أربعة: المسلمات والمظنونات والمشبهات والمخيلات. والمسلمات معتقدات ومأمورات. والمعتقدات واجب قبولها، ومشهورات ووهميات. والواجب قبولها أوليات ومشاهدات، ومجربات. والمجربات حدسيات، ومتواترات، وقضايا قياساتها معها. فالمتواترات جزء من المجربات. والمجربات جزء من الواجب قبولها التي هي بدورها جزء من المعتقدات والمعتقدات جزء من المسلمات. المتواترات إذن مجربات وليست غيبيات. وهو ما يتفق مع أحد شروط التواتر عند الأصوليين، وهو الاتفاق مع الحس ومجرى العادات. وهي مصدر المعرفة التاريخية وليست الدينية فقط. أساسها شعور باليقين الذي لا يأتي من عدد الرواة بل من سكون النفس الذي يحدد العدد. ولما انقسمت المشهورات إلى واجبات وتأديبيات وخلقيات واستقرائيات دخلت الشرائع الإلهية مع التأديبيات الإصلاحية لتوسيع نظرية العلم ومادته، ويجوز للوهميات أيضا أن تكون مشهورة لولا مخالفتها للسنن الشرعية.
173
كما ظهرت المشهورات أيضا كمادة للبرهان. والمشهور مثل المتواتر مصطلح من مصطلحات علم الحديث، والمقدمة المغالطية تشبه المشهورة وهي ليست كذلك؛ فكثير من المشهورات كاذب، وكثير من الشنيع حق. ونسبة المشهور والشنيع إلى الجدل كنسبة الحق والباطل إلى البرهان. الغلط في البرهان ما ليس بحق، وفي الجدل ما ليس بمشهور. فلا يطلب اليقين بالمشهورات. والقضية المشهورة ليست بصادقة. وبالتالي لا يقاس عليها. فتارة يقاس على أن النفس لا تموت وتارة يقاس على أن النفس تموت. وأحيانا يسميها ابن سينا الذائعات . وهي مقدمات وآراء مشهورة ومحمودة وجب التصديق بها بشهادة الكل أو الأكثر أو العلماء أو الأفاضل فيما لا يخالف فيه الجمهور، مقاييس الصدق إذن مراتب الإجماع على ما يقول الأصوليون، الكافة أو الغالبية من الناس أو العلماء أو الفضلاء بشرط عدم مخالفة الجمهور، أي حكمة الشعوب والبداهة الشعبية. صدقها ليس بالفطرة أو بالعقل، بل بالعادة منذ الصبا أي الثقافة المدونة والاتفاق عليها مثل المبادئ الخلقية والسنن القديمة الباقية دون تغير استقراء من التاريخ. ويضرب ابن سينا المثل على ذلك بمثل عربي قديم تحول إلى حديث نبوي بعد قراءة جديدة له تكمل الطبيعة وتعمقها «انصر أخاك ظالما أو مظلوما.» الذائعات مرتبطة إذن بدرجة انتشار الخبر وبمقاييس صدقه.
174
والفطرة الإنسانية بين المنطق والوحي موضوع سينوي أصيل لا شأن له بالمنطق الوافد. الفطرة لفظ موروث. ولما كانت الفطرة غير كافية - وإلا لما اختلف العقلاء - احتاجت إلى عون آخر من المنطق كما هو الحال في الموروث؛ فالمنطق في الوافد يقوم بدور الوحي في الموروث، والوحي في الموروث يقوم بدور المنطق في الوافد. بل إن المنطق يقوم بدور الوحي في الوافد، والوحي يقوم بدور المنطق في الموروث. قد تستغني عن المنطق إلا إذا كانت مؤيدة بوحي من الله تعالى. والفطرة تشهد بالوهميات كما تشهد بالعقليات. وتعني توهم اعتقاد أو حدوث شيء وهو بالغ عاقل دون أن يسمع رأيا أو يعتقد مذهبا أو يعاشر أمة أو يعرف سياسة. اعتمد على المحسوسات ثم حولها إلى خيالات ثم عرضها على الذهن فإن شك فلا تشهد الفطرة بها وإن لم يشك أوجبته الفطرة. وليس كل ما توجبه الفطرة صادقا بل البعض كاذب. إنما صدق الفطرة من العقل. ويكون الكذب في الأمور غير المحسوسة بالذات مثل مبادئ المحسوسات الهيولي والصورة بل العقل والباري وهي أعم من المحسوسات كالوحدة والكثرة والتناهي واللاتناهي والعلة والمعلولة. يقين الفطرة من العقل، وكذبها نظرا لتجاوز الكاذب منها المحسوسات مثل المبادئ العامة ومنها الباري تعالى. ولو كان الله مدركا حسيا لما وقع فيه الكذب.