أما الكتب الطبيعية فغرض «الخبر الطبيعي» الإبانة عن الأشياء العامة لجميع الأشياء الطبيعية، العلل والأوائل والبخت والخلاء والمكان والزمان والحركة. وغرض «السماء» هيئة الكل، وانفصال الأجرام الأولى الخمسة، أحوالها الطبيعية وعوارضها وخصائصها الذاتية والعامة وعللها. وغرض الكون والفساد القول على الكون والفساد المرسل؛ أي الإبانة عن مائية الكل والفساد الكلي، وغرض «العلوي» أي الآثار العلوية الإبانة عن علل وكون كل كائن فاسد ما بين حضيض فلك القمر إلى مركز الأرض، في الجو وعلى الأرض وما في بطنها قولا كليا عن الآثار العارضة فيها. وغرض «المعدني» الإبانة عن علل الأجرام المتكونة في باطن الأرض، كيفياتها وخواصها الذاتية والعامة ومواضعها، وغرض «النباتي» الإبانة عن علل كون النبات وكيفياته الخاصة والعامة ومواضعه. وغرضه «الحيواني» الإبانة عن علل كون الحيوان، طبائعه وخواصه الذاتية والعامة وعلل أعضائه ومواضعه وحركاته.
أما الكتب النفسانية فإن غرضه في كتاب «النفس» الإبانة عن ماهيتها وكل واحد، قواها وفصولها وعوامها وخواصها، وتفصيل حواسها وأنواعها. وغرض «الحس والمحسوس» الإبانة عن علل المحسوسات. وغرض «النوم واليقظة» الإبانة عن ماهية النوم وكيفيته وعلل الرؤيا. وغرض «طول العمر وقصره» ما يدل عليه الاسم. وغرض كتاب ما بعد الطبيعة الإبانة عن الأشياء القائمة بغير طينة أي مادة ومع الطينة الذي لا يتواصل أو يتحد معها، وتوحيد الله «جل تعالى» والإبانة عن أسمائه الحسنى، وأنه علة الكل الفاعلة والمتممة. فهو الكل وسايس الكل بتدبيره المتقن وحكمته التامة. وهنا يتم تعشيق الوافد في الموروث، تعشيق ما بعد الطبيعة في التوحيد بألفاظه ومصطلحاته.
وينتهي الكندي عرض الموضوعات بعرض أغراض الكتب الخلقية والسياسية. فغرض الأخلاق إلى نيقوماخوس بيان أخلاق النفس وسياستها بالأخلاق الفاضلة وبعدها عن الرذيلة. وقسم السياسة الخلقية إلى أنواع، الخاصة والغريبة والمدنية. وفصل الأخلاق والآلام اللاحقة بكل نوع وبيان أن السعادة هي الفضيلة، في كل أوان، وأن الفضيلة في النفس والبدن وما خرج منها. وغرض بوليطيقي أي المدني الذي كتبه إلى بعض إخوانه يشبه غرض الأخلاق ولكن مطبقا في السياسة المدنية. بل وتتداخل المقالات بينهما.
10
ويحيل الكندي إلى باقي مؤلفاته. فيحيل إلى «كتابنا الأعظم في التأليف»، عندما يعرض للتأليف من العلوم الرياضية، والذي أظهر ما يكون في الأصوات. كما يحيل إلى باقي عرضه للعلوم بوجه عام دون إحالات إلى علم أو كتاب خاص لمزيد من التفصيل.
11
وكما تبدأ الرسالة بالبسملة والاحتساب على الله فهو نعم العون تتخللها العبارات الإيمانية مثل «جود الجايد بكل خير، وحسن معونته، جل وتعالى علوا كبيرا.» وتنتهي أيضا بالسؤال بالتوفيق لكل خير، والدعوة للتحصين من كل ضر، مع الحمدلة والصلاة على الرسول وآله أجمعين.
12 (2) جمع المذهبين
والمرحلة المتوسطة في العرض الكلي هو الجمع بين مذهبين مثل أفلاطون وأرسطو في منظور كلي واحد شامل. وتلك هي دلالة محاولة الفارابي «الجمع بين رأيي الحكيمين»
13
فيعرضها على طريق الإيجاز. لذلك تتميز بالوضوح والقدرة على الاختصار، والرؤية الثاقبة، والتعرف على خصائص المذهبين. وهما اختياران متكاملان وحلان على التبادل لإشكال واحد. يترك الاستطراد والدخول في مذهب كل منهما لأنه ليس المقصود.
14
وبطبيعة الحال لا يذكر إلا الوافد دون الموروث. ويأتي أرسطو في المقدمة ثم أفلاطون ثم الإسكندر ثم سقراط ثم الإسكندر الأفروديسي وأمونيوس ثم ثامسطيوس وفرفوريوس وإيرقليطوس، ومن الفرق الإسكلائيين.
15
والدافع على التأليف هو أن «أكثر أهل زماننا» قد خاضوا وتنازعوا في حدوث العالم وقدمه وادعوا أن الحكيمين المقدمين المبرزين اختلفا في المبدع الأول، وفي وجود الأسباب منه، وفي النفس والعقل وفي المجازاة على الأفعال خيرها وشرها، وفي كثير من الموضوعات المدنية، والخلقية والنطقية؛ فالبداية من الواقع وحياة الناس. وتشعب الآراء والموضوعات إسلامية صرفة، خلق العالم، والمعاد، وبعض المسائل الشرعية، واختلاف أهم فيلسوفين يونانيين في ذلك أفلاطون وأرسطو؛ فالعقلاء أولى بالاتفاق من الاختلاف. ليس الدافع إذن التوفيق أو مجرد تمرين عقلي بل وحدة المعرفة الإنسانية، واتفاق العقل والنقل، اليونان والقرآن، وحدة الحقيقة العقلية بين العقلاء مثل أفلاطون وأرسطو، وبين الحقيقة العقلية والحقيقة السمعية، فلا فرق بين الوحي والعقل، بين الشريعة والحكمة، بين وحي الأنا وعقل الآخر، ويمكن اجتماع الحضارات على حقائق إنسانية واحدة بصرف النظر عن طرق المعرفة الحقيقة واحدة والطرق إليها مختلفة. يريد الفارابي بيان أوجه الاتفاق بينهما حتى يزول الشك من قلوب الناس، وبيان أسبابه. فالفلسفة هي العلم بالموجود بما هو موجود. ومن ثم يطبق الفارابي هذا التعريف لمعرفة حقيقة آراء أفلاطون وأرسطو في ذلك، عودا إلى الأشياء ذاتها بإجماع الآراء واتفاق الحكيمين المبرزين بل وجميع العقلاء ومطابقة ذلك بالوجود؛ فالتصديق نوعان؛ اتفاق العقلاء فيما بينهم، ثم تطابق آرائهم مع الواقع. فالعقل والواقع مقياسان للحقيقة التي يعلنها الوحي عطاء وهبة.