تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتلحق كتب الأخلاق بالنفس، ومنها الكتاب الكبير «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، وهو أحد عشر قولا، والثاني الأخلاق الصغير أقل حجما. وله أيضا عديد من الرسائل والكتب الصغيرة في موضوعات جزئية.

ثم يتحول الكندي من إحصاء الكتب إلى عرض موضوعاتها. وأولها الجوهر ومحمولاته وهو موضوع كتاب المقولات. وهو أيضا موضوع طبيعي في السماع الطبيعي. وهو أيضا موضوع ما بعد الطبيعة، الجوهر الأزلي؛ فالجوهر موضوع للعلوم الثلاثة. الجوهر والمحمول أي الموضوع والمحمول في المنطق، والجوهر والمقولات التسع في العلم الطبيعي، الكم والكيف، الطينة أي المادة والصورة، والمضاف هو الموجود مع لا طينة، والمكان والزمان تركيب جوهر مع كم، والفعل والانفعال تركيب جوهر مع كيف، والملك تركيب جوهر مع جوهر. والجوهر الثابت هو الجوهر الأول الخالي من الأعراض، موضوع العلم الثابت الحق وهو الفلسفة، وهو موضوع العلم الإلهي الذي يأتي البشر دون تكلف أو طلب أو حيلة مثل علم الرسل. وهنا ينتهي عرض الوافد اليوناني ليبدأ عرض الموروث الإسلامي بعد تعشيق الأول في الثاني، الجوهر الأول في الله جل وعلا، والفلسفة في الوحي، وعلم البشر بعلم الرسل صلوات الله عليهم بلا طلب ولا تكلف بحث ولا بحيلة رياضية أو منطق بل بإرادة الله جل وتعالى بتطهير أنفسهم وإنارتها للحق وتأييده وتسديده وإلهامه ورسالاته. لهم آيات فاصلة لهم عن غيرهم من البشر من علم الجواهر الخفية. ثم تيقن العقول أن ذلك من عند الله جل وتعالى يخضع له البشر بالطاعة والانقياد، فيضطر إلى التصديق بما تأتي به الرسل عليهم السلام. مثال ذلك جواب الرسل فيما سئلوا فيه عن الأمور الخفية التي لا يستطيع الفيلسوف أن يجيب عليها إلا بعد طول جهد وعناء البحث والتروض، وبأسلوب موجز وبين، وقريب الإحاطة بالمطلوب.

5

العلم الإنساني إذن دون العلم الإلهي ولا سبيل لإحاطته بالأشياء الحقة الثابتة مع عدم الرياضيات إلا بقدر مباشرة الحس الذي يشارك فيه الحيوان غير الناطق.

ويضرب المثل على ذلك بجموع الآيات الشهيرة من آخر سورة يس التي تحاجج ضد إنكار حشر الأجساد وكأنها جدل بين الرسول والمفكرين عندما سألوه يا محمد: من يحيي العظام وهي رميم؟ وقد استعاد القرآن السؤال في الإجابة

قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ، وهو ما يسمى فيما بعد في المنطق دليل الأولى؛ فالقادر على الأقل يكون قادرا على الأكثر. وجمع المتفرق أسهل من صنعه وإيداعه. بل إن الله قادر على إخراج الشيء من نقيضه، الحياة من الموت، والنار من الأخضر

الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ، وبعد المثل يأتي الممثول، وبعد المقدمة تأتي النتيجة

أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، والإجابة البديهية على ذلك

بلى وهو الخلاق العليم . وهكذا يتحول الموروث الأول إلى حجة، والنقل إلى عقل، والنص إلى منطق.

6

وتنتقل الآيات من مجرد إثبات حشر الأجساد كقضية جزئية إلى إثبات الخلق وهي القضية الكلية؛ فالخلق من لا شيء أصعب من البعث من لا شيء، والقادر على البعث أقدر على الخلق، وأقل في الزمان والجهد لأنه جل ثناؤه لا يحتاج إلى مدة لإبداعه وإخراج الأيس من الليس

إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، جل ثناؤه وتعالت أسماؤه عن ظنون الكافرين.

7

وتأتي الشواهد اللغوية لإحكام الاستدلال المنطقي. إذ يستعمل في لغة العرب مخاطبة ليس أي المعدوم. وتستعمل للشيء في الوصف ما ليس له في الطبع.

8

ويظهر الأسلوب العربي المحلي في مخاطبة القارئ؛ فالرسالة موجهة إليه بإجابة على سؤاله؛ فالعرض استجابة لسؤال أي تلبية لدافع الفهم.

9

ثم يبدأ الجزء الثاني من الرسالة حتى ليبدو مكررا ولكن لبيان غرض هذه العلوم والمصنفات من أجل التفلسف وليس من أجل التعلم. فالنقل وسيلة للإبداع ومقدمة له. فإذا كان الجزء الأول قد تعرض للمادة أي الأشياء ذاتها فإن الجزء الثاني يعرض للغاية، غاية كل علم ومصنف عونا على فهمها. الأول وصف والثاني إيضاح. وأفضل فهم وتوضيح ما كان بالغاية والقصد من أجل التوجه نحو العمل والتحول من الفكر إلى السلوك، ومن الفهم إلى الفعل، بل ومن الظن إلى اليقين، ومن الثبات إلى الحركة. فعرض قاطيغورياس القول في المقولات المفردة العشرة في بدايتها مثل الجوهر والعرض، الحامل والمحمول، الجوهر الأول المحسوس والجواهر الثواني غير المحسوسة والمقولة على المحسوس، في وسطها وهي العشرة أعيان، وفي نهايتها مثل التقدم والحركة والمعية. وغرض باريامينياس أي التفسير، القضايا المقدمات للمقاييس العملية أي الجوامع، فهي إما موجبة أو سلبية أي مقدمات الأقيسة، في البداية الاسم والفعل والحرف والقول بالتعريف والخبر أو في الوسط مثل تأليف القضايا من شيئين اسم وحرف أو ثلاثة اسم وحرف وظرف زمان أو أربعة بإضافة الجهة، وفي النهاية لمعرفة أشد القضايا تناصبا أي تقابلا، الموجبة والسالبة أم الموجبة الموجبة المضادة لها، وغرض أنالوطيقا الإبانة عن الجوامع المرسلة وهي أقوال نضع منها أشياء، ويظهر منها شيء آخر لم يكن ظاهرا من قبل. وأقل تأليف للجامعة قضيتان مشتركتان في حد أوسط تظهر منهما نتيجة لم تكن ظاهرة من قبل. ولها ثلاثة أنواع من التراكيب: الأول أن يكون الحد المشترك موضوعا لأحد الطرفين محمولا للآخر، والثاني أن يكون محمولا للطرفين، والثالث أن يكون موضوعا للطرفين. فتكون الجوامع ثلاثة أنواع؛ الأول أن تكون الجوامع صادقة أبدا وهي البرهانية أو أن تكون صادقة أو كاذبة وهي الجدلية أو أن تكون كاذبة أبدا وهي السوفسطائية على الترتيب من الأشرف إلى الأخس. ومعنى أنالوطيقا النقض، وغرض أفوديقطيقي أن تعطي الجوامع البرهان ولا تحتاج أوائل البرهان إلى برهان؛ إذ هي ثابتة في العقل والحس، وغرض طوبيقي الجوامع الجدلية ومواضع القول التي توجب وجوبا آخر، والغلط الحاد فيها، والإبانة عن الأسماء الخمسة، الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض، والحد. هنا يدخل الكندي مقدمة فرفوريوس في الجدل. وغرض سوفسطيقي القول على المغالطة في وضع الجوامع أي القضايا، بلا شرائط القضايا المقدمات التي تؤلف منها الجوامع، في البداية لرصد أنواع المغالطة أو في النهاية للاحتراس من الوقوع فيها. وغرض ريطوريقي القول في أنواع الأقاويل الثلاثة الإقناع في الحكومة وفي المشورة وفي الحمد والذم الجامع لهما التقريظ. وغرض بوييطيقي القول في صناعة الشعر والأوزان في كل نوع كالمدح والهجاء والمراثي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٤