81
ومع ذلك يعرض ابن سينا للغرض العام والقصد الكلي للمجسطى أو لأصول إقليدس دون شرح أو تلخيص عبارة عبارة أو فقرة فقرة أو مقالا مقالا كما هو الحال في الجوامع عند ابن رشد. قد يكون للكتاب أكثر من غرض تتساوى فيما بينها أو غرض بالقصد الأول وغرض آخر بالقصد الثاني وكأننا في مرحلة الفارابي في العرض، تحقيق غرض أرسطو في كتاب ما بعد الطبيعة.
82
وبالرغم من أن ابن سينا يبدأ الفقرة أو الفصل دون عبارة تمهيدية لوضع الشيء أو بيان المقصود منه، مجرد فقرة «أسمنتية» تؤخذ أو ترفض مما يجعل العرض أقرب إلى المذهب منه إلى المنهج، إلا أن هناك عبارات أخرى تكشف عن مسار فكر ابن سينا، بداية ووسطا ونهاية. فابن سينا يقدم موضوعه بداية، ثم يستمر في عرضه ثم يبين استنتاجاته، مستدركا على اللاحق بالسابق. يوضح ابن سينا ويبين أنه يعالج الموضوع ولا ينقل القول أو يكرره. يشعر بالاستطراد وفتح القوسين ثم يعود إلى الموضوع من جديد. ويقوم بالمراجعة والتصحيح وكأنه دارس مستقل وليس عارض بضاعة. ويسأل الأصدقاء العفو من الزلل، ويعتذر عن الخطأ مما يدل على التواضع بالرغم من الطابع النسقي المذهبي الكلي. فلا يستطيع الحكيم أن يكون متخصصا في وعالما بكل شيء.
83
كما يصف أفعال الشعور عند بطليموس محللا إياها وشارحا أسباب تعجبه والحكم عليها بل ويزيد ابن سينا من درجة التعجب مثل ذكر، جعل، اختار، استرذل.
84
كما يصف أفعال الإيضاح مثل أوضح، بين، أظهر، كشف. وإذا ما صحح بطليموس شيئا فإن ابن سينا يدرك فعل التصحيح؛ لأنه عالم بتاريخ الآراء في الموضوع.
85
كما يصف ابن سينا مسار فكر بطليموس وخطواته، مقدماته ونتائجه، بداياته ونهاياته وكأنه يفكر معه ويراجعه ويستأنف مسيرته، يتخيل العرض ويصحح الخطأ مما يدل على وجود مسافة بين الذات والموضوع.
86
وتدل على أفعال البداية شرح، بدأ، ابتدأ، افتتح، وأفعال الوسط مثل فلما فرغ، انتقل، أخذ، بين، وأفعال النهاية مثل انتهى، استنتج.
87
وما يفعله ابن سينا مع بطليموس في وصف أفعال الشعور يفعله أيضا مع أبرخس واصفا أفعال الشعور لديه مثل: وجد، حدس، ذكر، عرف، علم، اختار. والهدف هي: الموضوعات المستقلة التي يصفها ابن سينا وليس قول أبرخس ويصف أفعال شعور أبرخس كأنماط للاعتقاد من شك وظن ويقين. كما يصف ابن سينا مسار فكر أبرخس كيف ابتدأ وإلى أي شيء انتهى ويفعل نفس الشيء مع أرشميدس.
88
وأحيانا يقوم ابن سينا بوصف الشعور المزدوج لبطليموس وأبرخس ما فعله أبرخس وما أدركه بطليموس. ثم يتحقق ابن سينا مما فعل بطليموس في أبرخس، وينتهي إلى حكم مثل القاضي وكما يفعل ابن رشد بين المتخاصمين؛ الفلاسفة والغزالي، المعتزلة والأشاعرة. ابن سينا هو الذي يمتلك الكل، وبطليموس وأبرخس كل منهما يمتلك جزءا. ابن سينا مثل الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين» وهو الحديث المركب: ابن سينا يتحدث عن بطليموس الذي يتحدث عن أبرخس كما هو الحال في منهج الرواية عند المسلمين متجاوزا الرواية بمعنى النقل إلى الرواية بمعنى التحقق من صدق المروي وتدل هذه الرواية على الوعي العلمي الجمعي وعلى انتقال العلم من اليونان إلى المسلمين، من أبرخس إلى بطليموس إلى ابن سينا. لذلك يتحدث ابن سينا في ضمير المتكلم الجمع تأكيدا على جماعة العلماء دون تمييز بين الحضارتين اليونانية والإسلامية. قد يتفق الاثنان، بطليموس وأبرخس وقد يختلفان. وقد يتفق ابن سينا معهما وقد يختلف. وقد يختلف الاثنان ويتفق ابن سينا مع أحدهما ضد الآخر. ومن ثم تكون الاحتمالات كالآتي:
89 (1)
في حالة اتفاق بطليموس مع أبرخس يكون أمام ابن سينا: (أ)
الاتفاق مع كليهما. (ب)
الاختلاف مع كليهما. (2)
في حالة اختلاف بطليموس مع أبرخس يكون أمام ابن سينا: (أ)