74
ابن سينا وإخوان الصفا بالرغم من أنهما يمثلان معا العرض النسقي إلا أن ابن سينا يقدم العرض المنطقي وإخوان الصفا العرض الشعبي. كلاهما على طرفي نقيض من حيث عمليات التمثل، والموقف من الأنا، إثباتها عند الإخوان ونفيها عند ابن سينا، النقل عند الإخوان والعقل عند ابن سينا. وإذا كان الإخوان قبل ابن سينا تاريخيا فإن ابن سينا يكون رد فعل عليهم، انتقالا من النقل إلى العقل، ومن الجزء إلى الكل، ومن الرسائل المتفرقة إلى «الشفاء» الجامع. وإذا كان السؤال لدى ابن سينا في «الشفاء» وفي «النجاة» وفي «الإشارات والتنبيهات»؟ يكون الرد: ابن سينا العارض في موسوعاته الثلاث، وابن سينا المؤلف المبدع في رسائله الصغيرة وفي النفس والنبوة والمعاد، وفي موضوعات الموروث في «تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات». موسوعات ابن سينا تأليف عارض ورسائله تأليف إبداعي.
75
ويظهر الوافد كثيرا في الهيئة، بطليموس وأبرخس يأتيان في المقدمة على الإطلاق ثم طيموفارس ثم أرسطولوس ثم إقليدس، أنطستنانس، ماطن، أنطيمن، أرشميدس، طيموريلوس، أنطونيوس، أبولونيوس.
76
يتحدث ابن سينا عن بطليموس أو أبرخس باعتبارهما آخر متميزا عن الأنا خاصة فيما يتعلق بالعصر والزمان. ويتحدث عن بطليموس بضمير الغائب ويشير إليه باعتباره هو ويصف فعله باعتباره آخر. والتمايز ليس فقط بين أفراد، ابن سينا وبطليموس بل أيضا بين حضارات، نحن وهم. ومع ذلك فالموضوع هو العنصر المشترك بين الأنا والآخر، بين النحن والهم.
77
لذلك يدرس ابن سينا الموضوع في مواجهة الشعور عند بطليموس ثم يعيد الموقف نفسه واضعا نفسه مكان بطليموس حتى تتحدد التجربتان في تجربة مشتركة. كما يتابع الأسباب التي جعلت بطليموس يقول بهذا القول أو بذلك. فالعلم هو العلم بالأسباب ويدرك ابن سينا تصحيح بطليموس لأبرخس مما يبين معرفة ابن سينا بالموضوع وتاريخه وبما قيل فيه من خطأ وصواب، ورؤية ابن سينا الخاصة.
78
وابن سينا يقيم الوافد ولا يصف فقط. يدرس الموضوع نفسه ثم يراجع الوافد. على الموضوع المدروس مما يبيح له رؤية المسافة بين الاثنين فيقوم بالنقد والتصحيح بعد المراجعة والتدقيق. ثم يكمل القول ويعيد إليه اتزانه. فبطليموس يزيف أحيانا. ويحكم ابن سينا عليه ويكون رأيه الخاص فيه لأن بطليموس لا يتحدث عن نفسه. يدرس ما يدرسه بطليموس، ويعرف ماذا اختار وماذا ترك مثل الفارابي مع أرسطو. يبدأ ابن سينا بالشيء ذاته دون قيل وقال. ويذكر حقائق دون وجهات نظر، ويعبر عنها بصيغ احتمالية وهو أسلوب العلم، وأحيانا تكون البداية بالقول إن كان فيه شك واحتمال الصدق والكذب. الموضوع أولا، والقول ثانيا. وأحيانا يكون الربط بينهما خارجيا مفتعلا بحروف العطف مثل «ثم».
79
يدرس ابن سينا الموضوع ثم يراجع ما قاله بطليموس فيه بمصطلحاته. يعرف ابن سينا المسمى وقد تختلف الأسماء بينه وبين بطليموس. ويعطي استدلالات جديدة، ويراجع البراهين القديمة، ويسخف بعض الآراء ويقبل البعض الآخر. ويحدد المكان والزمان، والزمان بالمكان. يقيس المسافة بالوقت، ويقيس الوقت بالمسافة. ويحكم على بطليموس بما يعلم وبما لا يعلم، ويتحقق من علمه يقينا أم ظنا في الهيئة أو الجغرافيا. هناك حدود إذن لكتاب «المجسطي» الذي ألفه بطليموس، ولم يحط علما على نحو يقيني ببعض موضوعاته. ثم استدرك بطليموس نفسه وعاد إلى الموضوع على نحو يقيني في «الجغرافيا». وابن سينا يدرك مجموع كتابات بطليموس وحدود كل كتاب.
80
ومع الكتاب المدون هناك تجارب الرصد. فالكتاب وحده ليس مصدرا للعلم بل الواقع والتجربة. ويراجع ابن سينا المصدرين، المدون على التجربة. التجربة مصدر التحقق. وقد تكون المراجعة لآلات الرصد عند بطليموس. وحين المراجعة يسهل على ابن سينا ما عسر على الآخرين. ويشير ابن سينا إلى باقي الأرصاد فكانت المراصد موجودة في العالم الإسلامي، ويتحدث عن عدة آلات مثل الشاقول والأسطرلاب مما يدل على أن الفلك علم تجريبي. ويجمع بين القياس الكمي والقياس الكيفي، بين التجربة والنظر. وقد كان الفلك مختلطا بالتنجيم في البداية حتى تطور العلم وتحول إلى علم دقيق. ويسمى التنجيم «علم أحكام النجوم». نقده الكندي والفارابي وابن سينا وابن حزم وابن طفيل.