57
وقد قام ابن سينا بالاختصار كالعادة. ويعني الاختصار هنا حذف المادة الخارجة على الصناعة ولها بديل في علم الحساب مثل الاستعمال والاستخراج بديلا عن الجبر والمقابلة، والجمع والتفريق الهندي. وهذا المحذوف يدخل في الفروع وليس في الأصول، كما هو الحال في التفرقة بين الأصول والفروع في الفقه.
58
غايته إعطاء الحالة الراهنة لعلم الحساب طبقا لعادة العلماء في عصره دون تحديد للتيارات التي ينقدها. يكفيه الإشارة إلى قوم رغبة في إخفاء المصادر وبناء النسق. وهو تأليف عارض في علم الحساب لإعطاء صورة للحالة الراهنة للعلم في عصره للطلاب، على عكس الرسائل التي تكشف عن قدر كبير من الإبداع والاجتهاد.
59
لذلك يبدو ابن سينا بلا تجربة خاصة، متعالما، جامعا للعلم، يخفي مصادره، منقطع الصلة بين السابق واللاحق لصالح النسق. لم يذكر السابقين عليه، الكندي والرازي وإخوان الصفا والفارابي وكأن التراكم الفلسفي لم يحدث لديه إلا من الوافد مباشرة دون الموروث، من القدماء مباشرة دون المحدثين، من الأوائل مباشرة دون الأواخر؛ مما أوقعه في الصورية. ظهر علم الحساب علما صوريا خالصا لا يميز حضارة عن أخرى، خال من الخصوصية إلا القدرة على استعمال العقل المجرد والثقة به. يبحث عن القانون مع الخصائص الذاتية التي يدركها العقل في العدد.
60
هو علم نظري خالص بل أكثر نظرية من الهندسة؛ لأنها تتعلق بالمكان، لا دلالة حضارية فيه.
61
هو أقرب إلى التمرينات العقلية وإثبات الاتساق العقلي وقدرة العقل على التنظير والتنسيق والاستدلال والبرهان. وعندما وصل التجريد إلى هذا الحد سبب رد فعل الفقهاء وطابعهم العملي الحسي. فلا فائدة في الحساب إلا في حساب أوقات الصلاة والمواريث ومساحات الأراضي ومقادير الخراج وموازين السوق ومعاملاته. ولم تشفع مخاطبة القارئ من أجل الدخول في علاقة صحيحة معه أو بعض التحليلات الشعورية للمؤلف وبيان أن العلم تجربة معاشة في التقليل من طابع «الحساب» الصوري.
62
ولم يذكر في الحساب أي اسم علم يوناني. وذكر الفيثاغوريون مرة واحدة والمتكلمون في صناعة العدد ، ولا يقصد بهم المتكلمون بالمعنى الاصطلاحي أي علماء الكلام بل المشتغلون بصناعة العدد أي علم الحساب. وهم المتطفلون على العلم الذين يستعملون أقاويل خطابية وشعرية دون البرهانية. كما يذكر القدماء مرة واحدة ارتباطا بالوعي التاريخي، فالحساب عمل جماعي عبر العصور والأجيال. وتظهر بعض المصطلحات اليونانية المعربة مثل الأسطقسات، كتاب إقليدس في أصول الهندسة، وقاطيغورياس والأرتماطيقي، مما يدل على استمرار التعريب حتى عصر ابن سينا.
63
وإذا كان محور الهندسة إقليدس، ومحور الهيئة بطليموس فلماذا لم يظهر ديوفانطس محورا للحساب، وفيثاغورس محورا للموسيقى؟
وأين كتاب «الموسيقى» في الشفاء الذي قد يعادل كتاب «الموسيقى الكبير» للفارابي أو رسائل الكندي في الموسيقى؟ أين الأصل اليوناني أو التأليف العربي؟ لماذا لم يكتب ابن سينا جزءا في الموسيقى ضمه إلى موسوعة «الشفاء» اعتمد فيها على الوافد أي مثل فيثاغورس أو الموروث كما فعل إخوان الصفا في الرسائل؟ هل أبدع الكندي والفارابي في الموسيقى ولم يجد ابن سينا موسيقيا وافدا أو موروثا يتمثله ويعرض ويؤلف فيه ويصمت عنه؟ وبالرغم من أن الموسيقى علم مستقل ضمن العلوم الرياضية، الهندسة والحساب والهيئة (الفلك) إلا أنه متصل بعلم الحساب. وينبه ابن سينا فيه على وجود تأليف في الموسيقى؛ فالحساب والموسيقى كلاهما تأليف يقوم على النسبة. وإذا كانت الموسيقى حسابا فهل هذا يفسر غياب جزء عن الموسيقى؟ وإذا كان الحساب موسيقى فلماذا حضر الحساب وغابت الموسيقى؟ وإذا كان ابن سينا قد كتب جزءا في الموسيقى، فهل ضاع أو سقط بفعل تقادم الزمن؟