تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جمع إقليدس نفس الأصول أو المبادئ أو القضايا أو الأشكال التي توصل إليها السابقون عليه. وأضاف إليها براهين من عنده وأعاد ترتيبها. فأصول إقليدس ليست خلقا عبقريا على غير منوال بل تراكم تاريخي طويل مع القدرة على الاستيعاب والتنظير وتأسيس العلم والنقلة النوعية في التاريخ. وهو منسوب إلى إقليدس احتراسا من عدم صحة النسبة في حضارة تتهم بالخلط والانتحال. كما تذكر النسخة المعتمدة والزيادات عليها سواء في النص أو في الأشكال والأرقام.

وهو من أوائل الكتب التي ترجمها المسلمون وقدروها أعظم تقدير. واعتبروا إقليدس الرياضي الأول وأرسطو المنطقي الأول وجالينوس الطبيب الأول في حضارة تقوم على خاتم النبوة ونهاية التاريخ. كما كانت تعتبر أرشميدس رائدا في الهندسة المساحية والميكانيكية وأبوللونيوس للقطاعات المخروطية. وقد سمى الصوري إدراكا لجوهر علم الهندسة وتحويلا للشخص إلى مذهب.

والكتاب ليس ترجمة. فالعرض مرحلة تالية للترجمة والتعليق والشرح والتلخيص والجوامع.

50

وليس اختصارا بالرغم من استعمال ابن سينا والجوزجاني اللفظ؛ لأن ابن سينا يذكر أنه لم يقتصر على الاختصار بل تجاوزه إلى حل بعض مشكلاته؛ فالاختصار يعني التركيز، وحل المشكلات يعني دراسة الموضوعات بالرجوع إلى الأشياء ذاتها. يعني الاختصار اختصار براهين الكتاب وعباراته لا مقالاته وأشكاله. الاختصار هو الإبقاء على الحدس دون البرهان، ثم الاستدلال على الحدس من جديد ببراهين أبسط وأوضح. وما سماه. ابن سينا «تحرير» هو تأليف عارض أي إعادة الكتابة. ويختلف عن الأنواع الأدبية السابقة، الترجمة والتعليق والانتحال والشرح والتلخيص والجوامع. فالمحرر لا يورد النص ثم يعلق عليه بتفسير أو زيادة أو بيان إشكال بل يتصرف في النص نفسه بما يوجب إصلاحه وإكماله. التحرير تقويم أي إعادة كتابة النص ووضعه في صورة أتم مما يستلزم الحذف أو الزيادة أو إعادة الترتيب أي تأليف غير مباشر، يقوم على الإيجاز غير المخل والاستقصاء غير الممل؛ أي التركيز والتشويق ثم زيادة المادة من مصادر أخرى من نفس العلم سواء من مصادر خارجية أو ما استنبطه ابن سينا من قريحته. وقد استمر هذا النوع بعد ابن سينا.

51

لا يهم اتفاق ابن سينا مع الأصل أو مع الشراح؛ فابن سينا مؤلف عارض يعيد كتابة النص من جديد بصرف النظر عن المطابقة.

52

ليس نص ابن سينا مجرد تكرار لإقليدس بل إضافة بحوث لا مقابل لها في المؤلفات الأرسطية أو غير الأرسطية. فما يهم هو العلم لا العالم، والموضوع وليس الشخص، والنص وليس المؤلف. وبتحليل للأزمات الرياضية يقوم ابن سينا بمتابعة براهين إقليدس ويراجعها ويتحقق من صدقها وإلا كان خلفا، وهي اللازمة الأكثر ترددا، وهو المطلوب إثباته؛ وذلك ما أردنا أن نبينه، وذلك ما أردنا أن نعمل.

53

والإشارات إلى اليونان قليلة. وبطبيعة الحال تتم الإحالة إلى إقليدس، في ذكر اسم الكتاب كله في أوائل المقالات وليس استشهادا به، وفي نسبة المقالات الحادية عشرة حتى الخامسة عشرة إليه. كما يذكر أنسقلاوس لنسبة المقالتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة إليه.

54

و«الحساب» كتاب مكون من أربع مقالات، أطولها الأولى وأقصرها الرابعة، ويتناقص الكم تدريجيا من الأولى حتى الرابعة.

55

ويتعلق الحساب بالفلسفة بناء على تقسيم العلوم الفلسفية الذي يرجع في بدايته إلى أرسطو. كما يرتبط بالمنطق؛ إذ تم التعرض له في كتاب «المقولات» نظرا لإمكانية قيام علم واحد، الاستدلال في الحساب أو البرهان في المنطق. لذلك يحال في «الحساب» إلى كتاب «الأسطقسات» وإلى كتاب قاطيغورياس، مما يدل على أن «الحساب» قد كتب بعدهما.

56

لقد عرف المسلمون الصلة بين الحساب والهندسة ولاءموا بين الحساب الهندي والحساب اليوناني، بين الشرق والغرب، واعتبروا الجبر والمقابلة فرعا للحساب، وعرفوا الأعداد الصحيحة والكسور العشرية، والجذور التربيعية والتكعيبية. وإن تحويل الهندسة إلى حساب أو الحساب إلى هندسة ليدل على العقلية التوحيدية التي تضم العلوم كلها في علم واحد.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٤٢