تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أعطى أرسطو بعد ذلك القوى والصنائع التي بها يكون للإنسان القوة على تعليم من ليس سبيله علم المنطق أو علم اليقين. وهم طائفتان الأولى ليس لها بالطبع تلك الملكات النفسانية، والثانية لها بالطبع تلك الملكات إلا أنها فسدت باعتياد أفعال أخرى. فأعطى أرسطو لذلك صناعة يقتدر بها الإنسان إقناع الجمهور بالأشياء النظرية والعملية التي جرت العادة على الاكتفاء فيها بالأمور الجزئية والمعاملات الإنسانية المشتركة والتي يكون بها تعاونهم على السعي نحو الغاية التي من أجلها وجد الإنسان. وهي صناعة تخييل الأمور التي تبينت ببراهين يقينية. والمحاكاة ضرب من تعليم الجمهور لكثير من الأشياء النظرية الصعبة لتحصل في نفوسهم رسوما بمثالاتها، ولا تفهم إلا في مناسباتها لأن فهمها في ذواتها عسير إلا على من لديه القدرة على إدراك الأمور النظرية وهنا يجمل الفارابي الخطابة والشعر معا دون تفصيل. وبالتالي ينتهي عرض أرسطو للقوة المنطقية.

53

ثم يعرض الفارابي بعد ذلك أجزاء العلم الطبيعي وهي نفس موضوعات كتاب «المقولات» في المنطق على مستوى الحس وليس على مستوى العقل مما يدل على وحدة العقل والطبيعة. يشهد الحس بكثرتها. وكثرتها على ضربين: كثرتها في المكان بشهادة الحس، وكثرتها في الحس لدرجة التضاد. الأولى في الموضوع والثانية في الذات من خلال المحسوسات. فيصبح الموضوع حالة للحس. سمي الموضوع الجوهر، والموضوع المدرك من خلال الحواس الأعراض مثل الموضوع والمحمول. وتتعاقب الأعراض على الحواس وتصبح تسعة: الكيف، والكم، والزمان والمكان، والجهة، والإضافة، والفعل، والانفعال، والملكية. والأعراض إما ذاتية وهي الجواهر الأولى أو عرضية وهي الجواهر الثانية. عرف أرسطو ذلك على نحو طبيعي وليس بإرادة الإنسان. الجوهر ما به ماهية الشيء وأعرضه الذاتية مقوماته الأولى، ثم وجد أرسطو أقاويل تعاند ذلك، تنكر الوجود والتغير وتعاند شهادة الحواس وتنفي الكثرة، ربما يقصد الفارابي بارمنيدس وكل المدرسة الفيثاغورثية الأفلاطونية دون أن يشير إليها. وبين أنها مغالطات. يقوم العلم الطبيعي إذن على مقدمات بينة، ويستعمل الطرق الجدلية للتمييز بينها وبين المغالطات حتى لا تبقى إلا الأقاويل العلمية. وهنا يتدخل المنطق كآلة لفحص الأقاويل الطبيعية عند السابقين على أرسطو دون ذكرهم. ويعطي العلم الطبيعي الأصول الكلية، وهي أشبه بالقضايا والمقدمات والمبادئ العامة البرهانية وإن كان الفحص فيها بطرق جدلية.

فالجوهر ممتد في كل الجهات، ما له طول وعرض وعمق بشهادة الحواس، فهو جوهر جسمي، وله مبدآن: المادة والصورة، الأول بالقوة والثاني بالفعل. والمبدأ الذي ينقل بالقوة إلى ما بالفعل هو المبدأ الفاعل. ولما كانت الحركة لا تكون إلا نحو غاية ظهر المبدأ الرابع وهو الغاية؛ ومن ثم كانت المبادئ أربعة: المادة والماهية والفاعل والغاية. ثم عرف الطبيعة الجسم والجوهر الجسماني الممتد إلى الاتجاهات كلها وأعراضه، وأنه غير مركب، وأن أقدم أبعاده هي الطول والعرض والعمق. وكل جوهر جسماني ممتد لا إلى ما لا نهاية في العظم. ثم فحص الحركة وأنها في زمان، وبين أن الزمان هو عدد الحركة. ثم فحص المكان، هل هو جوهر أم عرض. ثم فحص الخلاء وهل الحركة في حاجة إليه، وانتهى إلى عدم وجود الخلاء. وبين حركة الأجسام عن بعضها بالتماس، وفصل أنواع الحركة الطولية والمستديرة، النقلة والاستحالة حتى الانتهاء إلى المحرك الأول الذي لا يتحرك، ليس له جسم ولا في جسم أو مادة. وهو موضوع فحص خارج النظر الطبيعي، ويعني ما بعد الطبيعة.

54

وهذا ما عرضه أرسطو في «السماع الطبيعي» يعرضه الفارابي بإسهاب.

ثم انتقل إلى موضوع آخر الجسم المتحرك باستدارة المحيط بالأجسام الأخرى، لا خلاء به، وبه أجسام أخرى متحركة. وهذا الجسم هو العالم، وبه أقدم الأجسام التي بها تلتئم باقي الأجسام. حركاتها مستديرة في مكانين أول ووسط. وهي ثلاثة أنواع، والعناصر التي تلتئم منها الأجسام خمسة، أربعة منها الأسطقسات. وتعرض أرسطو لذلك في «السماء والعالم».

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٢٨