70
ثم يفصل مسكويه هذا التيار الديني الصوفي الإشراقي الأخلاقي العملي في الأصول الأولى للموروث، القرآن والحديث. ويختار منها ما يؤيد رؤيته واختياره، اكتشاف النفس من أجل اكتشاف الله، وهو ما عرف عند اليونان باسم الأفلاطونية.
71
كلام الله هو حديث النفس، والأحاديث النبوية يرويها القلب كما هو الحال عند الصوفية، وكأن مسكويه يكتب رسالة قشيرية أخرى، ويعتمد على تفسيرات الأئمة من آل البيت مثل محمد بن الحنفية وعلى مفسرين آخرين مثل سهل بن أسلم العدوي، ومجاهد، والحسن، وهشام بن عبد الملك، ويونس بن حبيب النحوي، وأبي يزيد البسطامي، والشبلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الملك بن مروان، فبعض الأمويين أتقياء. ويبدو التفسير أقرب إلى التفسير بالمأثور حتى ولو كان تفسيرا مجازيا مثل
وأما السائل فلا تنهر ، أي السؤال ليس عن الطعام بل عن العلم. القرآن به السؤال والجواب، البداية والنهاية، هو النفس والله والعالم. والله عالم الغيب والشهادة، الآخرة مع الدنيا، العقل مع الحس. الغيب كل ما غاب عن الحس، غيب على العامة وشهادة الخاصة. ويأتي التفسير الباطني للقرآن من الصوفية ومن مسكويه مباشرة ومن بعض الأمويين الأتقياء ربما كأحد وسائل المقاومة الشيعية للحاكم الأموي بسلاح لا يمكن رده، نفس السلاح الذي تعتمد عليه شرعية السلطة.
72
وتدور معظم الأحاديث حول نفس المحاور الثلاثة: معرفة النفس، معرفة الله، ثم معرفة المجتمع والدنيا، علاقة الإنسان بنفسه أي العمق، ومعرفة الإنسان بالله أي التعالي الرأسي، ثم معرفة الإنسان بالآخرين أي التعالي الأفقي، ومع معرفة النفس يظهر التفسير الصوفي للأحاديث، من معرفة النفس إلى معرفة الله، ومن معرفة الله إلى السعادة. فالإنسان موقف بينه وبين الله في الزمان. قوة النفس اطمئنان. وبلاؤها تذهبه العافية من الله والزهد طريق إلى الله وإلى الناس، والعبادة طريق إلى الجنة. والوحي ليس لجمع المال بل للتسبيح والسجود. وغض النظر طريق إلى التقوى على عكس حكمة الهند. فالمرأة ليست فقط موضوعا بل ذات. والسلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه المظلوم، إن عدل وجب على الرعية الشكر، وإن ظلم وجب عليها الصبر طبقا للأموية وطاعة الحكام في الثقافة الشعبية ولا يعتمد مسكويه على أحد في تفسير الأحاديث أو صحتها فكلها صحيحة وواضحة.
73
أما التعالي الرأسي فإنه في الظاهر ديني وفي حقيقته كمال فردي واجتماعي؛ إذ لا يمكن الفصل بين التعالي الرأسي والتعالي الأفقي، بين الإيمان الديني والكمال الخلقي الفردي أو الاجتماعي. في التعالي الرأسي ينزل الكرم والجود، ويعطي الثواب، ويوفق للطاعة والمغفرة، والتذكر بالموت، والشكر لله وكأننا في أحوال الصوفية ومقاماتهم، عندئذ يصبح الدين تقوي باطنية وحسن طوية بعيدا عن الشعائر والطقوس والمراسم، السمات المعروفة في الدين الشعبي، وأحيانا يقصر الحديث كالمثل، وأحيانا يطول كرواية مما يفقدها قيمتها في الأثر الشعبي المباشر، وتختلط الأحاديث بالأقوال المأثورة، وتروي بلا إسناد ودون حكم على درجة صحتها. والعدد والإحصاء فيها قليل؛ ومن ثم يصعب استيعابها وتذكرها.
74
أما الكمال الفردي فإن الأحاديث فيه تركز على يقظة الشعور وطلب العلم وتحقيقه في العمل والتعبير عنه بسحر البيان، الكمال البدني من حيث الصحة ثم الفعل والتخلص من الرذائل، البخل والذل، ثم مجاهدة النفس، الدنيا والبخل ، ومعرفة قدر الرجال والكمال الخلقي، والتخلي عن الدنيا، والحنث باليمين. والأحاديث أيضا غير مسندة، ولا تعرف درجاتها من الصحة. وشكلها الأدبي الغالب هو الجملة الخبرية. ويتطلب الكمال الفردي نوعا من التأويل، وتجاوز الظاهر إلى الباطن وما يرمز إلى ذلك من حياة البدو ومثل الخيل والنخل، بطون الخيل وظهورها وجذور النخل وثمارها، والقلة الخيرة والكثرة الضالة، والسهر والنوم، والعقل والإيمان.