58
وتأتي حكم الحسن البصري في المقدمة؛ حيث الكم والكيف بعد علي بن أبي طالب كصوفي وليس متكلما. ثم تأتي أقوال الصوفية. فهم أقرب الفرق إلى ضرب الأمثال واستعمال الرموز دون غيرهم من المتكلمين والفقهاء نظرا لارتباط التشيع بالتصوف أم أن التصوف هو علم الأخلاق الإسلامية، أقوال للحجاج، ونصائح للحكم؛ فالأنبياء والملوك والصوفية والأدباء واللغويون والصحابة والخلفاء كلهم أصحاب حكم وأمثال في الثقافة الشعبية ومعها حكايات ونوادر مثل تلك المنسوبة إلى الفلاسفة والتي ترجمها حنين ويختتم بالحمدلة.
والموضوع الغالب عليها الأخلاق الاجتماعية، الكمال الفردي والاجتماعي، والاغتراب أي التوجه نحو الآخرة بعيدا عن الدنيا. أما السياسة، العنصر الغالب في حكمة فارس، والجنس، العنصر الغالب في حكمة الهند فنادران على عكس ما هو معروف في ألف ليلة وليلة ربما لانتصار الدولة السنية التي لا تحتاج إلى نصائح الملوك وربما خوفا من السلطان. وربما غاب الجنس لغلبة أقوال الصحابة والصوفية. كما تظهر قيم العلم والثراء على المستوى الإنساني وليس الاغتراب الديني أو الدنيوي في الجنس.
وتغيب الآيات القرآنية مع أنها أيضا بلسان عربي مبين لا بمفردها ولا من خلال الأحاديث. وتبدأ الحكم عند العرب بالأحاديث النبوية.
59
فالنبي عربي، وأوتي جوامع الكلم. وأحاديثه أمثال عربية محورة ومكملة ومتممة بالتصور الإسلامي مثل «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». وهي أحاديث تصور حياة العرب والبيئة البدوية بما بها من إبل ونخيل وخيل وكأنها أحاديث على نمط أمثال العرب. تتسم بالقصر حتى تصبح أمثالا يسهل تذكرها. ويمكن تصنيفها طبقا لموضوعاتها وألفاظها. وكما بدأ مسكويه حكم العرب بأحاديث الرسول أنهاها بأشعارهم في أنصاف أبيات. فالأحاديث مثل الشعر.
60
كما تذكر حكم الأنبياء مثل وصايا لقمان لابنه بصرف النظر عن مصادرها إسلامية أو من الإسرائيليات. وكثير من الحكم غير مشخصة تذكر فقط أنها من كلام الحكماء أو الصوفية أو العرب في الجاهلية أو من قديم كلام العرب أو العرب فقط أو الصوفية والنساك أو البعض أو مجرد مبني للمجهول في صيغة «قيل». وغالبا ما يستعمل العدد والإحصاء في الحكم والأمثال وقسمة الناس والخصال، فضائل أو رذائل، قسمة ثلاثية أو رباعية أو خماسية والأغلب الثلاثية.
61
وتمتزج في حكم العرب الواقع بالأسطورة، الحقيقة بالخيال، التاريخ بالانتحال كما هو الحال في حكم الروم. فالانتحال ليس في الوافد فقط، بل في الموروث أيضا لأن روح الإبداع في الحضارة، وتنسج الحكم والأقوال في أنماط إسلامية مثل وصية قس بن ساعدة لابنه على منوال وصايا لقمان لابنه.
62
أما حكم الإسلاميين المحدثين فإنها استئناف لحكم العرب. والعنوان من الناشر مستقى من النص. والمحدثون من الفلاسفة والعلماء والباحثين من طلب العلم من الإسلاميين. فالإسلاميون ورثة العرب الذين ورثوا الروم الذين ورثوا الهند التي ورثت فارس. وهم في نفس الوقت موروثون من أجيال جديدة من طلاب العلم، وتتضمن أقساما خمسة: وصية وفصلان غير منسوبين إلى أحد ثم آداب ابن المقفع ووصاياه ثم كلام الفارابي من وصاياه. وأكبرها كلام ابن المقفع ثم الفارابي. والخاتمة تضم ثلاثة أقوال لأفلاطون والعامري والجاحظ وقولا رابعا غير منسوب إلى أحد. وأكبرها كلام العامري، وكأن حكم المسلمين المحدثين من ثلاثة، ابن المقفع والعامري والفارابي، والثلاثة من غير العرب.
63
وهي نصوص طويلة وليس مجرد مجموعة من الأقوال المتفرقة، من الحكمة الشعبية وليست من الحكمة العقلية الرفيعة للكندي وابن سينا. والعجيب أن تعود حكمة اليونان من جديد، أفلاطون نموذجا في الخاتمة مع العامري والجاحظ مما يدل على أن أفلاطون أصبح جزءا من الحكمة الشعبية، ولم يعد جزءا من الثقافة العالمة. قبل الجاحظ ثقافة العرب، وقبل العامري ثقافة المسلمين. وقد اختارت الخاتمة ممثلا لحكمة اليونان وليس للهند أو فارس، ربما لبيان مدى التقارب بين المسلمين المحدثين واليونان بالرغم من أن مسكويه فارسي الأصل. والحديث عن طبقات الناس عند الفارابي تدل على رؤية صائبة لفكره كما عرضه في آراء أهل المدينة الفاضلة. وربما السبب هو الخاتمة ببعض النوادر والحكايات لا يهم مصدرها، اليونان أو العرب أو المسلمون المحدثون مما يدل على وحدة الحكمة الشعبية.