54
وما قيل على لسان قابس الأفلاطوني في «أمر لوح وجد موضوعا في هيكل زحل كان منسوبا إلى رجل فيه يدل على الهدى» كأنه كتاب مستقل لشخصية تاريخية يونانية خيالها إسلامي.
55
يستعمل أسلوب المحاورات الأفلاطونية ويأخذ كنية الأفلاطوني للدلالة على اتجاه الفكر، الأفلاطونية الإشراقية، اليونانية الشرقية. واللوحة صورة فنية مثل الأناجيل بها عناصر الإخراج: رموز الدولة، فالمدينة رمز الدولة، والملك والحجاب والوزراء، ثنائية الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، النقاء والغواية، نساء في الداخل ورجال في الخارج، عضو الأنثى بالداخل وعضو الرجل بالخارج، الصلة بين الفن والأخلاق، ويحيل إلى موقف القرآن من الشعر، ويمكن وصف آليات الإبداع، البداية اليونانية والنهاية الإسلامية، التاريخ اليوناني والدلالة الإسلامية، الأنا والآخر في وضع اليونانيين في مقابل الغرباء. الموضوع نفسه إسلامي، التصوير ووجوده في الديانات القديمة، والمعركة حول الأيقونات في القرن الخامس الميلادي وإن كان الإسلام قد قضى على الأصنام والتماثيل والتصاوير إلا أنه أبقى على الشعائر والحركات، وإن كان القسم ما زال بحق هرقليس. وبالرغم من أن إيرقليس لم يشأ تفسير اللغز إلا أن المترجم قدمه لما فيه من فوائد للعقل المؤيد للإنسان، طالبا التوفيق والعصمة من الله. ويتم تحميل هذه اللوحة التي بها هذا اللغز بالمعاني الإسلامية مثل رفض النحت والشهوة والدنيا والمال والبنون والسلطة، ورفض الشره والشبق والملق والخداع والبذخ والنهب والسرقة والتعدي على الحرمات واليمين الكاذبة والسعي والنميمة، والدفاع عن الحسن والقبح العقليين، والدفاع عن المساجد والسقايات. وفي النهاية يتم مخاطبة القارئ ووصايته طبقا للأسلوب الإسلامي في الفكر كتجربة مشتركة بين المؤلف والقارئ. المضمون أخلاقي اجتماعي، فردي أكثر منه اجتماعيا، على عكس حكمة الفرس التي يغلب عليها الطابع السياسي، في ظاهرها يونانية وفي حقيقتها إسلامية.
56 (و) العرب والإسلاميون المحدثون
أما حكم العرب فهي أكبر حكم الشعوب الأربعة. ولا يوجد تحيز خاص للعرب في جدل الأنا الفارسي والآخر العربي، بل تتساوى الشعوب الأربعة. إنما يتم الحديث عنهم كغائب مثل الهند وفارس والروم، ولهم مرحلتان: ما قبل الإسلام في أمثال العرب وما بعد الإسلام في أقوال الرسول والصحابة والصوفية. الرسول عربي، والإسلام عربي، والصحابة عرب مما قد يوحي ببعض الشعوبية المقلوبة. ومع ذلك فقد ذكرت حكم أنوشروان مع حكم العرب بعد أن تم تعريبه وتعريب أقواله لدرجة أنها أصبحت عربية. وان وضع العرب بعد فارس والهند قد يعني أن العرب ورثوا حضارة القدماء ثم صب ذلك كله في الحضارة الإسلامية الحديثة.
وهي حكم متفرقة وقصيرة وأحيانا طويلة في أربعة وعشرين مجموعة، كل مجموعة لها عنوان. نصفها من النص والنصف الآخر من الناشر من مضمونه. بعضها عام مثل حكم للعرب وأمثال سائرة وبعضها خاص يعبر عن المضمون مثل ذم الهدية. أكبرها الكلمات المتفرقة. عناوين البعض أسماء وأعلام مثل علي، لقمان، قس بن ساعدة، أكثم بن صيفي، الحسن البصري.
57
لا فرق بين عربي ونصراني؛ فكلاهما عربي. ولا فرق بين جاهلي وإسلامي، بين ما قبل الإسلام وبعده وليس كما يشيع في عصرنا من التعارض بين الجاهلية والإسلام.
وبالرغم من أن علي بن أبي طالب عنوان المجموعة إلا أن حكمه تظهر في باقي المجموعات. ومن حيث الأهمية يأتي بعد الرسول مباشرة مما يدل على تشعبه في الحكمة الشعبية وانتشاره فيها وتداخل الحضور الشيعي مع السني مع إبراز صورته وصفاته الخاصة في الثقافة الشعبية. ويثني عليه بعبارة «عليه السلام» وليس «رضي الله عنه» أو «كرم الله وجهه». يظهر مع الرسول والصحابة والصوفية مما قد يكشف عن هوى التشيع، الرسول ثم الإمام، وفارس مهد التشيع، وهو العربي الأول بعد الرسول بالرغم من تشيع فارس وسنة العرب. وأحيانا يذكر أمير المؤمنين عليه السلام دون ذكر اسم علي مما قد يحدث خلطا بينه وبين جعفر الصادق. فهو أيضا يثني عليه بعليه السلام.