274
فهناك مشروع مشترك بين المؤلف والقارئ. مشروع فكري ثقافي حضاري سياسي تاريخي واحد، طالبا تأييده بالروح وإن لم يكن بالمصلحة، الداعي والمدعو، الشيخ والمريد، والمشاركة معه في التحقق من صدق الأقوال. فالكاتب خير من يعبر عن إحساسات القارئ ووضعه المأزوم وهو أسلوب قرآني في مخاطبة الرسول والمؤمنين بحروف النداء وألفاظ القول وبضمائر المخاطب المفرد والجمع. والغاية منه تجنيد الناس للانخراط في سلم الإخوان اعتمادا على فلسفة الإنذار وشفاعة الإخوان، باعتبارها حركة سرية واستدراجهم. فالنص نداء إلى العمل، وتوجه نحو سلوك القارئ ابتداء من فهمه، لا فرق بين مخاطبة النفس «أعاننا الله» ومخاطبة الآخر «وإياك أيها الأخ» نظرا للتوحد بين الأنا والآخر، بين الكاتب والقارئ. وأحيانا يكون الخطاب ناقدا للناس كما يفعل الخطيب المعاصر لإعطائهم الإحساس بالذنب وطلب التوبة والمغفرة بالانخراط في سلك الإخوان. ويطالبه الخطاب بالتأمل في الطبيعة وفي النفس، في الآفاق وفي الأنفس، في الخارج وفي الداخل حتى يتحقق المستمع من صدق القائل.
ويبدأ الخطاب بصيغ النداء المختلفة بحروف النداء أو بدونها والتوجه إلى القارئ مباشرة بضمائر المخاطب، وقد سبق حروف النداء ضمائر المخاطب المنفصلة مثل «أنت»، «أنتم» أو بصيغ نداء الذات فردا أو جماعة مثل «هيا»، «هلم» دون فعل «أنت أيها الأخ» أو بفعل أمر «كن أيها الأخ» أو بحرف جر «فعليك أيها الأخ» أو بفعل الشرط في الماضي «إذا كنت أيها الأخ» أو بفعل الأمر المخاطب «فكن أيها الأخ».
275
وقد تكون أفعال الأمر أفعال التحذير والدعوة إلى الانتباه والاستعاذة بالله من الشر والغفلة والتأمل والتفكر والنظر، والدعوة إلى العلم والاعتقاد وأداء الواجب.
276
وقد تأتي هذه الأفعال في صيغة الأمر مباشرة دون حرف النداء والمنادى.
277
ثم تأتي أفعال الواجب والصبر والبشارة والفتح القريب.
278
وقد تكون أداة استفهام تدعو إلى المشاركة في الفعل واستنكار عدم الفعل.
279
والغالب هو فعل الأمر «اعلم» مما يدل على أن الرسائل للإعلام ونشر العلم.
280
وقد يأتي النداء في صيغة الشرط مثبتا مثل «إذا تأملت»، «إذا سمعت»، «إن بادرت»، «إن أمعنت النظر» أو منفيا مثل «وإن لم يتحقق». ويعني الشرط الأدب في الحوار وافتراض الحرية للمستمع.
281
ويتكرر النداء في صيغه المختلفة أول الفقرة وهو الأغلب ووسطها ونهايتها وهو الأقل. وأشهر «اللازمات» «اعلم أيها الأخ أيدك الله وإيانا بروح منه.» ويعطي القارئ لقب الأخ في صيغة «أيها الأخ» أو «يا أخي». تتكرر صيغة «يا أخي» كثيرا ثم تكبر بالألقاب والدعوات وطلب تأييد روح الله ويضاف إليه لقب أو عدة ألقاب أشهرها «الأخ البار الرحيم». وأحيانا جمعا «أيها الإخوان الأبرار الرحماء». ويدل لقب «الأخ» على مدى القرب بين الإخوان والجمهور وطلب التأييد لهم وله بروح الله ومدى اشتراكهم معا في هدف أسمى واحد. وهو أخ رحيم بار بأهله، رحيم بالأغراب وهو الغالب، وأحيانا يضاف لقب الرحيم وحده للأخ فالرحمة بالأغراب أولى من البر بالأهل.
282
ولكن المعنى هو الغالب على الجمع، فالخطاب فرد، من فرد إلى فرد، تراسلا للأرواح.
283
والصيغة الأكثر ترددا هي «أيها الأخ البار الرحيم أيدك الله وإيانا بروح منه.» الصيغة الأكمل والأمثل لأنها تصف الأخ بالبر والرحمة وتطلب له وللإخوان التأييد بروح الله. ثم تصغر الصيغة بإسقاط صفتي البر والرحمة أو الدعوة أو تتغير من البار الرحيم إلى البار الحكيم أو إلى البار وحده.
284
وتكثر الدعوات للقارئ بالتوفيق والتأييد من الله في صيغة «أيدك الله»، «وفقك الله». فالقارئ جزء من خطاب المؤلف، يشارك معه في مدلول الخطاب كما يفعل القرآن. وتكون الدعوة والعياذ بالله من الأشرار، وهي دعوة للمتكلم والسامع للمؤلف والقارئ في آن واحد. وتتم مخاطبة القارئ بأدب جم وبتعاطف شديد وباحترام كامل لرأيه وبدعوته إلى الاجتهاد والنظر والتفكر والتأمل والفهم والتفقد والانتباه والمعرفة والاعتبار والصبر على العلم حتى ينكشف في النفس، كما يحترم اعتراضه. فلا إجبار أو قهر.