215
وابن آدم أصبح عنوانا للإنسان من حيث هو إنسان، مخلوق إلى الأبد. وبطاعته الأوامر وتجنبه النواهي يصبح حيا مثل الله وأن يقول للشيء كن فيكون مثله، وله محلان، الأول فيه عيوب نفسه، والثاني عيوب غيره، ويرتبط به ولداه قابيل وهابيل، استمرارا لقصة الظلم والعدوان والصراع في نشأة البشرية. فقد قتل قابيل هابيل وظن أهل هابيل، أنه قتل بفعل الجن. ومنذ ذلك الوقت استظهر بنو قابيل على بني هابيل. واستمر القتال أخذا بالثأر هو نفس ما فعله السباع بعد ما رأوا امتثال بني آدم.
216
ولبني آدم العلم والمعرفة، والنبوة والحكمة، الكتابة والقراءة، والأخبار المروية وإدراك الحواس. اصطفى الله من بينهم الأنبياء رسلا لإعطائهم الوحي ليدعون الله، يرضون بقضائه، وهم ذرية الأنبياء الذين قربهم الله إليه. والنفوس متفاوتة في طاعة الله في ذرية بني آدم. والأنبياء هم الأولياء والأصفياء منها، بنو آدم أجسامهم ثقيلة إلى أسفل وصورتهم آدمية. أما العلماء والفقهاء فقد تجاوزوا الآدمية الحيوانية.
217
وبنو آدم هم ذرية آدم، وإليهم يتوجه النداء بأن الله حي لا يموت. توالد من آدم وزوجه البشر جميعا. اقترن بها وحملت منه. أبوان، الذكر والأنثى، والأنثى تحت الذكر، ومنهما كان العالم. وكما أن لآدم ذريته فكذلك للشيطان ذريته في غواية بني آدم وعداوتهم له. وهم مطالبون بالتخلص من جناية آدم بعد أن عصى ربه فخرج هو وذريته من الجنة، عالم الأرواح. ولما كانت النسب تختلف بين الأفضل والأقل فضلا فإن البشر أفضل من الملائكة الذين كانوا قبل آدم لأنهم في هذا العالم يصارعون الأضداد الذين بهم سيكون خراب العالم.
218
ويظل بنو آدم في الأرض قادرين على الهداية أو العصيان، على العدل أو الجور، لقد خلق بنو آدم من شعوب وقبائل مختلفة ألوانها وألسنتها. وكلهم خلفاء الله في الأرض، ولهم ملوك يدبرون أمورهم ولكنهم أضلوهم بكثرة اختلافاتهم وآرائهم ومذاهبهم. فالاختلاف مهلكة. وهم الآن الأكثر عددا أفرادا وشعوبا. لذلك تكاثرت لغاتهم وتعددت. كما ركب بنو آدم من الأخلاط الأربعة، وعليها قامت الأخلاق، العزم من التراب، واللين من الماء، والحدة من الحرارة، والأناة من البرودة. لذلك تم الخلق تدريجيا حتى لا تضيق بهم الأرض.
219
وبين بني آدم والحيوان صراع وألفة كما بين الإنس والجن. وقد تم تأجيل الصراع الحالي بين الإنسان والحيوان تاريخيا. بل إن طباع الحيوان قد تغيرت بظهور الإنسان. فالضفدع يداخل بني آدم في منازل، في حين إنه بين الإنسان والحيات عداوة قديمة وحقد كامن. يأكل بنو آدم الحيوان ثم تأكلهم الديدان. وقد تغيرت طباع الحيوان إلى أسوء. فظلت تقاتل بعضها بعضا بعد أن رأت بني آدم يفعلون ذلك. والله يعلم بني آدم من النحل الذي يخلق عسلا من غير هيولي لإثبات قدرته. ويتناظر الحيوان والإنسان أيهما أفضل بعد مناظرة الجن والإنسان. فالإنسان بين الحيوان والجان. الكلاب تجاورهم وتتداخل معهم وتتجانس مع أخلاقهم، وأطعمة الإنسان والحيوان متشابهة. ولهم طباع السباع، ومع ذلك يعتدي الإنسان على الحيوان بالسلاح، ولهم ملوك وطغاة معتدون. ولهم حيل يسيطرون بها على البحار. وللحيوان يد بيضاء على الإنسان. حواه الحوت في بطنه، وتسلط الذباب على الملوك. فأيهما أقوى وأيهما أفضل، الإنسان أم الحيوان؟ وفي قصة رمزية تشكو الحيوانات بأسرها في أيدي بني آدم كما تشكو تعاونهم مع بني آدم ضدهم، وتود البهائم الهرب من بني آدم ، وهي تصلح جنودا للملوك. يجور بني آدم على الحيوان. لذلك جاءت دعوات الرفق بالحيوان عن حق بعد أن تحول الواقع إلى مبدأ شرعي نتيجة لاضطرار الإنسان البدائي الصيد للطعام وأخذ جلد الحيوان للكساء.
220
وهناك عداوة أخرى بين بني آدم والجن، بين بني الإنسان وبنى الجان، عداوة قديمة قبل آدم؛ إذ كان قد أخذه عزرائيل أسيرا وهو فرعون آدم. وكلما تذكره بنو آدم امتلأت قلوبهم حقدا عليه. العداوة قديمة والذاكرة حية. حاولت الشريعة والملة والدين الصلح بينهما، وتراجع بنو الجان إلى ديار بني آدم، فلما طرح إبراهيم في النار اعتقد بنو آدم أن ما فعله النمرود كان من فعل الجان. ولولا معاونة الجن سليمان لكان حكمه حكم بني آدم. تم الصلح بين بني الجان والمسلمين من أولاد آدم إلى اليوم. ويظل الجان يجاور بني آدم في بساتينهم وبني آدم يبغضونه، ويستطيع الجان أن يدخل من أهواء بني آدم.