172
ولا تكفي الأخلاق الفردية. هناك أيضا الأخلاق الجماعية مثل الصلاة في المسجد جماعة، وأن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه كشرط للإيمان. ونسبة الأفراد في المجتمع كنسبة الأعضاء في الجسم الواحد، نسبة جسمية وليست روحية. والأمة مترابطة، نفس واحدة، دماؤهم وأموالهم حرام فيما بينهم، أقوياء على من سواهم. وكل أمة منقطعة إلا أمة محمد. وكل نسب منقطع إلا نسبه، والنسب روحي لا بدني. طريق الأمان هي أمة آخر الزمان. يحشرون مع الأنبياء. آثرت الجوع بعد أن أشبعها الله، والعطش بعد أن رواها الله، والعري بعد أن كساهم. بل تركوا الحلال. صاحبوا الدنيا في أبدانهم دون تعلق القلوب بشيء منها. وطريقها طريق النجاة، هم صحابة الرسول. وهي وصية الرسول لأبي هريرة في نهاية الرسالة التاسعة مثل وصايا لقمان لابنه. يغلب عليها الوضع لإيغالها في التصوف وترك الدنيا. لذلك كان محاور الرسول أبا هريرة. ويظهر الطابع الإشراقي في الثنائيات المتعارضة بين الدنيا والآخرة، النفس والبدن.
173
وقد يكون الحديث قصيرا في الحث على تقوى الله. ويدخله أبو ذر محاورا مرتين، يطلب الوصايا ثم الزيادة فيها اثنا عشرة مرة. وهو نموذج للحديث المركب الذي يبدأ بالتقوى. ثم ذكر الله وقراءة القرآن ثم الجهاد رهبانية الأمة ثم النظر إلى أسفل وليس إلى أعلى، ثم أقل الكلام في حب المساكين، ثم الغربة في الدنيا، ثم قول الحق ولو كان مرا، ثم الشجاعة الأدبية، ثم الرضا والزهد في الدنيا، ثم كظم الغيظ والإحسان في مقابل الإساءة، ثم التحذير من حب الدنيا، ثم النصح للناس، ثم النصح للنفس عن طريق الصعود الحلزوني من الخارج إلى الداخل من أجل الصعود من الداخل إلى أعلى. وقد يستقل جزء منه ليصبح حديثا مستقلا مثل الجهاد رهبانية هذه الأمة. والتقوى باطنية وليست ظاهرية كما هو الحال في أقوال المسيح. وقد يكون تكرار الحديث صحيحا في المعنى ولكن موضوعا في الصياغة. فالخلاف في الإخراج وتحويله من قول مباشر إلى حوار كي يكون أكثر تأثيرا في النفس.
174
وقد يكون المحاور من أحباء الرسول مثل حواريي المسيح، أسامة بن زيد الذي يتدخل التقطيع الحديث طالبا تحديد الطريق ورمزه الصوم، ودعاء الجائع مستجاب. وتصف بعض الأحاديث أحوال الرسول وأفعاله وبكائه شوقا إلى رؤية جماعة المؤمنين حتى اشتد البكاء وعلا النحيب، تأييدا للمضطهدين وتعاطفا معهم. وقد يدخل عمر محاورا ويسأل إذا كان الناس على الإسلام وهم يقومون بالاضطهاد، ولماذا يقتل من أطاع الله؟ ويجيب الرسول بأنه حب الدنيا. ويقرن الحديث بالآيات تدعيما له وتطابقا معه تغطية للظن باليقين. وتغير المحاور لا يعني تغير الحديث إنما فقط تغير المناسبة. والحديث الطويل لا يتكرر لأن الذاكرة لا تعيه، خلق وقتي فريد. إنما الذي يتكرر هو الحديث القصير الأقرب إلى جوامع الكلم.
175
ويمكن للحديث أن يطابق كل عصر، فسبب النزول يتكرر عندما تلائم بنيته النفسية أي عصر مثل حب الدنيا من فريق واستبعاد فريق آخر.
176
والمجتمع أيضا أخلاق وعمران وسياسة. فالاستعانة على كل صناعة بأهلها. والشورى أساس الحكم والتعددية والخلاف في الرأي. وتتنوع أحاديث الإمامة بين المعنى الضيق أي السياسة والقيادة بالمعنى العام وخصائص الشعوب وحركتها في التاريخ إلى إمامة الدول، وتظهر ألفاظ الفرق مثل الخوارج في مقابل عموم المسلمين دون ذكر للشيعة والإمامية والباطنية وإن كانوا حاضرين على نحو غير مباشر. تكثر الأحاديث في الإمامة لأنها الباب إلى السياسة.
177
كل إمام راع ومسئول عن رعيته، وهو الذي يحمل الراية، كرار غير فرار، ويكون الفتح على يديه، وعلي نموذج الإمام. والرسول وعلي أبوا هذه الأمة. الرسول مدينة العلم وعلي بابها. وعثمان ولي الأمة بعد عمر. وكل أصحاب الرسول هداية وقدوة. ويتم التحذير من القائد المنافق، حلو اللسان مر القلب. وقد يكون الثناء على شعب بعينه مثل شعب فارس المؤمن في أول الزمان وفي نهايته وحامل العلم مما يدل على ارتباط التاريخ بالسياسة والسياسة بالتاريخ. هناك شعوبية في انتقاء الأحاديث عن فضل فارس في مقابل الأحاديث عن فضل العرب. وحتى لو صحت تاريخيا فإن استعمالها شعوبي. ومن علامات الساعة خدمة المسلمين أبناء فارس والروم وقتل الأتقياء وتغير الزمان وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال.