تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

154

وتحذر بعض الروايات من العلماء المزيفين.

وهناك أحاديث أخرى تبين أن طريق العلم بالله هو العلم بالنفس، من عرف نفسه فقد عرف ربه، وأن أعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه. مع تكرار بعض الأحاديث. كما توجد أحاديث أخرى عن العلم الإشراقي، النور الذي يقذفه الله تعالى في القلب بعد العبادة أربعين صباحا، فيطلق اللسان بالحكمة حتى ولو كان أعجميا. فالمؤمن ينظر بنور الله. كما يروي حديث يبين أهمية السفر في طلب العلم والغنم سواء كان السحر بالجسد أو الروح.

155

وسحر البيان لا يعني خرق قوانين الطبيعة بل البلاغة والشعر كما هو الحال في المجاز والقرآن. ومن أخلص لله أربعين يوما فتح قلبه وشرح صدره، وأطلق لسانه حتى ولو كان أعجميا.

والعجيب أن يظهر أرسطوطاليس في حديثين موضوعين للتأكيد على الموروث لا الوافد. فقد كان له الفضيلة والكمال وقال «أنا أرسطاطاليس هذه الأمة.» وقد ورد الحديث بأكثر من صيغة تدل على وضعه، ولو صح لكان له عدة دلالات أن أرسطو كان نبيا بنص القرآن

منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ،

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ، وأن محمدا نبي مثل أرسطو، وأن الاثنين متفقان معا في النبوة والحكمة، وأن حكمة الشعوب واحدة سواء كانت حكمة اليونان أم وحي الإسلام. وفي صياغة أخرى يوضع السياق، وتختمها أسباب القول، عندما ذكر أرسطو في مجلسه مع أن المسلمين لم يعرفوه.

156

وفي نظرية الوجود تروى أحاديث أقل من نظرية العلم، حديث واحد فقط في مقابل أحد عشر حديثا. فالوجود هو كل شيء، والله والوجود شيء واحد لذلك ينتهي التفكر في خلق العالم إلى الوصول إلى الخالق، وفي خلق الإنسان من المني إلى إتقان الصانع.

157

والأحاديث في العقليات أقل منها في السمعيات.

158

فالسمعيات تثير خيال العامة أكثر من العقليات، وإمكانية الوضع فيها أكثر من العقليات؛ فالظن في الإقناع أكثر من اليقين. فلا يعلم جنود الله إلا هو، ولا يوجد في السماء موضع شبر إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، مما يثير الخيال على عظمة الله وعبادة الكون له في نظرية الذات والصفات لا يروى إلا حديث واحد. وفي خلق الأفعال، والحسن والقبح لا يروى إلا حديث واحد في كل من موضوعي العدل. ويسود التيار الأشعري قبل أن يقننه الأشعري. فالهداية والتوفيق والعصمة من الله. والله هو الذي يرزق الطير فتغدو خماصا وتروح بطانا، أشعرية صوفية ضد خلق الأفعال والعمل والكسب. الغرض منها الوصايا والمواعظ والتوجه العملي للعامة. وكثير من الأحاديث يدعو إلى القيم السلبية مثل الفقر والزهد إما عزاء للفقراء أو كرها للأغنياء لا تدعو إلى الثورة الاجتماعية بالرغم من أن الجهاد رهبانية الأمة. وهي لا تشابه الأحاديث الصحيحة الواضحة العملية. إنما يغلب عليها الطابع الأسطوري الخيالي النظري. واختلافات الصياغات في الحديث الواحد كل على وضعه.

159

وقد يكون بعضه صحيح في البداية بتحديد مكان وزمان معينين مثل خضراء الدمن ثم ينتهي بالخيال. وفي بعض الأحاديث ركاكة مما يدل على طابعه الشعبي في التأليف أو التأليف على مستوى العامة في حين أن الرسول قد أعطى جوامع الكلم، وهو أفصح فصحاء العرب ليس بها طابع أقوال الرسول المركزة البليغة. كما يصعب حفظ الأحاديث الطويلة بلا تحريف، والرسول غير معروف بالإطالة. وقد تم صياغة الأحاديث في نوع أدبي مركب بإدخال محاور للرسول مثله أسامة أو عائشة أو أبي هريرة أفقر الفقراء وأقربهم إلى الرسول أو عمر الذي صدقه الوحي.

160

ويبدو الحديث مركبا منقطعا عن طريق تدخل المحاور «زدني» من أجل إعطاء أكثر من فرصة للخلق والتأليف كما فعل المسيح مع حوارييه، وليس من طبيعة الرسول قول الأشياء إلى منتصفها ثم الانتظار كي يعطيه المحاور مناسبة ثانية لاستكمال الحديث. بل الهدف منه الخلق على دفعات. فالخلق بطبيعته قصير، يتكون من عدة دفعات ثم يتم التأليف بينها، وليس من عادة الرسول مخاطبة أصحابه يا أسامة، يا أسامة، بل التوجه نحو الموضوع مباشرة. ومما يدل على وضع الحديث ووجود إخراج له في محاور كما هو الحال في العشاء الرباني للسيد المسيح، وفيها يبدو الرسول ناعيا نهاية العالم ونهاية المسلمين كما تنبأ المسيح بهدم المعبد وتدمير الهيكل، ونقد الدينونة ومظاهر البذخ والترف وكأنه ابن خلدون أو أحد الصوفية. ويغلب على معظم الأحاديث الطابع الصوفي، وقد تكون من وضع الإخوان. لا تعتمد على العقل بل تخاطب التجربة البشرية وتكشف عن مواطن الاغتراب فيها. وتعارض أحاديث أخرى تدعو إلى الدنيا وإلى العمل فيها، والتي تعبر أيضا عن روح القرآن. ويدل على وضع الحديث طوله على عكس الأحاديث الصحيحة القصيرة ذات النزعة الأخلاقية العملية المباشرة متجهة نحو المنفعة والصلاح في العالم، إنما يغلب عليها ثنائية الدنيا والآخرة، أشبه بوصايا الشيخ للمريد. ويعبر البعض منها عن اتجاهات غير إسلامية مثل إنقاذ الجماعة من أجل البقية الصالحة. هي أقرب إلى تاريخ الأدب والإبداع الفني. فالوضع ليس مجرد اختلاف بل هو عمل فني خلاق. ويتكاثر الحديث، حديثا وراء آخر مما يدل على طابعه التركيبي، فالمتن أقرب إلى تاريخ الأدب، والمضمون أقرب إلى التصوف. وكان الحديث يذكر تأكيدا للقرآن فما اتفق معه كان صحيحا، وما اختلف كان موضوعا بالإضافة إلى حكم العقل وصدق التجربة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٠٧