42
ولا يكتفي ابن رضوان بالنقل بل يقوم بالنقد للوافد والموروث على السواء، وكأنه مصلح اجتماعي مثل نقده للرازي، ونقد استعمال المزاج بالجنس لكسب شهرة طبية، والنقد الاجتماعي للممارسات الطبية، ونقد الجزار بأنه من أهل المغرب وليس من أهل البلد.
وفي الموروث يتصدر أرض مصر ثم مصر ثم المصريون، أخلاق ومزاج وأبدان وأمراض وطبيعة، ثم أهل مصر ثم هواء مصر ثم مزاج مصر وأهل الصعيد وأطباء مصر ثم سواحل مصر وطين مصر وفسطاط مصر وأمراض مصر؛
43
بل إنه تذكر أسماء المدن والبحار والأنهار والأحياء والطوائف والمساجد في مصر مما يدل على حضور البيئة المحلية الخاصة بأدق تفصيلاتها،
44
وتتم مقارنة البيئة المصرية بغيرها من البيئات المجاورة عند الروم في المشرق والمغرب مثل أهل المغرب والفرس والروم والحبشة والحجاز والشام وبرقة.
45
وتأتي أسماء الأعلام في المرتبة الثانية بعد أسماء الأماكن، فالطب مرتبط بالبيئة أكثر من الأطباء. ويتصدر ابن الجزار ثم الرازي أو من تم علاجهم.
46
وفي الإيمانيات مع الحمدلة والبسملة يدخل الله في التفسير الجغرافي، لما خلق الأشياء جعل بعضها مرتبطا ببعض وجعل للصحة والمرض أسبابا كثيرة توفيقا بين الأشاعرة والمعتزلة، بين الفلاسفة وابن رشد. ولا توجد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية. وقد يستعدي ابن رضوان السلطان على الأطباء الذين يتكسبون بالطب وهم غير مؤهلين له.
47 (5) ناصر خسرو
و«جامع الحكمتين» لناصر خسرو (470، 481، 498ه). وهي شرح قصيدة تأليف على التأليف أي تراكم فلسفي، للموروث فيه الأولوية على الوافد في العمق والاتساع بالرغم من قلة أسماء الأعلام حرصا على بنية الحكمة غير المشخصة. ومع ذلك فهو أقرب إلى شرح الوافد بالمورث.
48
ويعني «جامع الحكمتين» الجامع بين الحكمة النقلية والحكمة العقلية. وتشمل الحكمة النقلية الوافد اليوناني والموروث النقلي على حد سواء. المهم التحول من النقل إلى العقل، ومن النص إلى التجربة، ومن ثنائية الحقيقة إلى وحدتها بالرغم من كثرة الحجج النقلية كما هو الحال عند الفقيه الحنبلي. والجامع للحكمتين تراث شيعي أصيل منذ إخوان الصفا في الجمع بين الحكمة والشريعة، والعالم الأصغر والعالم الأكبر وحميد الدين الكرماني في «علم الميزان». لذلك كان موضوعه أقرب إلى موضوعات علم الكلام منه إلى بنية الحكمة.
49
وسبب تأليفه سبب ساذج ومفتعل، علل خمسة، فاعلة وهو المؤلف، آلية وهو القلم، وهيولانية وهو الورق، وصورية وهو الكلام، وغائية وهو القارئ،
50
وأحيانا يغلب عليه أسلوب السؤال والجواب خاصة في الفصول الأخيرة.
51
و«جامع الحكمتين» جزء من مشروع كلي يضم «عجائب الصنعة»، «زاد المسافرين»، «لسان العالم»، «اختيار الإمام واختيار الإيمان»، اعتمادا على الأدلة العقلية والبراهين المنطقية، وضعا للسؤال مع جوابه.
52
وينقسم «الجامع» إلى أربعة وثلاثين فصلا دون نسق محكم بينها، يتداخل فيها النسقان الكلامي والفلسفي. يبدأ بإثبات الصانع ثم شرح الأحدية. ثم تبرز بعض الموضوعات المنطقية في الهيئة الخاصة والرسم والحد، ثم الجنس والنوع ثم النطق والكلام والقول ثم الكل والجزء. ثم تبرز بعض الموضوعات الطبيعية مثل الآنية، والأنوار السبعة، والدهر والحق والشرور، والطبيعة الكلية، والملائكة والجن والشياطين، وبعض خواص الجمادات والحيوانات والملائكة، وفي خواص القمر، وظهور الأنواع من الشخص، والإبداع وخلق السماء والأرض، والدائرة والطائر والبيضة، وزحل وأصل الربيع ومنازل الشمس والقمر والسيارات الأخرى. وواضح مصدر الطبيعيات على المنطق والإلهيات. ثم تظهر الموضوعات الإلهية بداية بالنفس، في الجسد والنفس والعقل، والعقل والعلم، والفرق بين المدرك والإدراك. ثم تظهر الموضوعات الإلهية الأزل والديمومة والخلود والأبد، ثم الموضوعات الأخلاقية مثل السعد والنحس، واحتياج الناس إلى التربية، وتأثير الكواكب، السعد والنحس في النفس والجسد، والأب والأم النفسانيين، وحياة العالم وموت الجاهل.