تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وينقسم إلى خمسة أقسام ابتداء من الطب النظري إلى الطب العلمي الأول «في أشياء من علم الطبيعة والأمر بالتداوي»، كله اقتباسات من كتب الطب المتقدمة وكأن الطب أمر شرعي. والثاني «في الحبوب والأغذية» بدأ بالأدوية قبل التشخيص. والثالث «فيما يصلح للبدن في حال الصحة»، فالوقاية خير من العلاج. والرابع «في كل عضو مخصوص»، وهو الطب التخصصي من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. والخامس في الأمراض العامة التي لا تخص عضوا عضوا ومنها الأمراض النفسية.

ولا يتجاوز الوافد جالينوس ثم أبقراط ثم أرسطو. وواضح صدارة جالينوس الطبيب المنطقي على أبقراط الطبيب التجريبي وتواري أرسطو العالم الطبيعي شبة التام.

3

وتغيب الألفاظ اليونانية المعربة أو المنقولة مما يدل على اختفاء الوافد كلية من الوعي التاريخي وتحويله إلى موروث شعبي أسوة بالموروث الأصلي. ويطلق لفظ الحكماء على الإطلاق دون تحديد المصدر. ولما غاب الفرق بين الوافد والموروث فإن اللفظ يعني المشتغلين بالطب على الإطلاق كما هو الحال في معنى اللفظ في الثقافة الشعبية.

ومن الموروث الأصلي يتصدر الحديث ثم القرآن.

4

فقد تحول الطب العقلي الطبيعي إلى طب نبوي نقلي. وأصبحت كتب الطب المتأخرة أشبه بكتب الحديث المنتقاة في موضوع الطب توسيعا لكتاب الطب في صحيح البخاري أو تحويلا لعلم الطب كفرع من فروع علوم الفقه. ويحال إلى الصحيحين وإلى كتب «المساند» ومجموعات علم الحديث المختارة لمشاهير المحدثين على مدى العصور فيتصدر المحدثون قبل الفقهاء والأطباء والحكماء.

فيتصدر من المحدثين والفقهاء الشافعي مما يدل على سيادة الشافعية على المذاهب الفقهية المتأخرة مثل سيادة الأشعرية في الفرق الكلامية ثم ابن عباس المحدث والمفسر الأول، بحر العلم وحبر الأمة، ثم مشاهير جماع الحديث في مجموعات صحيحة مثل النووي والترمذي، ورواته من الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ثم من يجمع بين الفقه والحديث مثل أحمد بن حنبل في مسنده، ثم السمرقندي، ثم عائشة راوية الأحاديث عن حياة الرسول الخاصة، ثم أبو هريرة صاحب الرسول وجليسه ثم الفقهاء المتأخرون مثل ابن الجوزي والإسنوي، والأقل شهرة منهم مثل الخضاب وعقبة بن عامر.

5

ويذكر الصحيحان معا أو كل صحيح بمفرده مثل البخاري ومسلم وابن ماجه.

6

ثم يذكر أكثر من أربعين محدثا وفقيها وصحابيا أشهرهم أنس بن مالك، والأحنف بن قيس، وابن جرير، والدارمي، وابن مسعود، وعثمان الصحابي، وابن سيرين، والبهيقي، وابن قتيبة، والدارقطني، وإسحاق، وجعفر بن محمد وغيرهم.

7

ومن كثرة الاعتماد على كتب الحديث خصص لها مقدمة أولى في تفسير رموز الكتاب عندما يرمز لكل صحيح بحرف أسوة بالإحالات الحديثة.

8

كما يصبح الأنبياء من كبار الأطباء المجرين المعجزات والذين تظهر عليهم الآيات مثل موسى وداود وسليمان ويوسف. دون ذكر للمسيح ربما تجنبا للشبهات حول شخصه.

9

ومع ذلك بقي من الموروث الطبي القديم ذكريات باهتة، وفي مقدمة الأطباء يتصدر الرازي ثم ابن البيطار ثم ابن سينا، والفارابي، ومن المترجمين ثابت بن قرة.

10

فقد انقضى العصر وولى الزمن الذي نشأ فيه الطب بفضل المترجمين وبلغ الذروة في عصر كبار الأطباء منذ الرازي حتى ابن النفيس مؤذنا بنهاية الحضارة الإسلامية في فترتها الأولى، وبداية فترتها الثانية في عصر الشروح والملخصات والموسوعات والمعاجم قبل أن تبدأ المرحلة الثالثة بالاتصال بالطب الغربي الحديث. يكشف عن غلبة الفقه والتصوف على الفقه. تظهر الأشعرية في كل فقرة في عبارات مثل: الله أعلم، إن شاء الله، والله هو الشافي بالرغم من عرض نظرية الطبائع الأربع، وتتخلل الفقرات «الله أعلم».

11 (2) الذهبي

وبالرغم من أن «الطب النبوي» للذهبي (748ه) سابق على تسهيل المنافع للأزرق بحوالي نصف قرن إلا أنه يبلور هذا الاتجاه المتأخر في الطب، نهاية الطب العلمي، والعودة إلى الطب النبوي كما يوحي العنوان بذلك. كان «تسهيل المنافع» طبا عمليا إجرائيا، أقرب إلى العلاج بالأدوية والعقاقير منه إلى الطب النظري وكما يدل على ذلك العنوان. أما «الطب النبوي» للذهبي فهو إعلان صريح عن نوع الطب حيث يقل الوافد إلى أقصى درجة ويزداد الموروث إلى أقصى درجة ممثلا في الحديث. وإذا كان «تسهيل المنافع» قد اعتمد على بعض الموروث الطبي القديم تجميعا بين مؤلفاته فإن «الطب النبوي» أغفله تماما. وهو تجميع للأحاديث النبوية المتعلقة بالطب وبعض الأدبيات في الموضوع دون دراسة أو تنظير أو تجربة أو قياس طبقا للطابع الغالب على العلم في هذه العصور المتأخرة وهو التدوين من الذاكرة بعد أن توقف العقل عن الإبداع. ويحال إلى بعض المؤلفات الطبية على العموم دون ذكر أي منها على الخصوص.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالص · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (٣) التراكم: تنظير الموروث قبل تمثُّل الوافد - تنظير الموروث - الإبداع الخالصص ٦٣